الجمعة، مارس 18، 2011

نبوءة

نبوءة
بعد التحولات الغير مسبوقة في وجدان الشارع السياسي المصري أتوقع أفول نجم الإخوان المسلمين ، بل أتوقع إنتهاء كل التجمعات الأصولية و السلفية و كل ما إندرج تحت إسم الدين السياسي سواء كان مسلم أو مسيحي

طوال القرن الماضي و مصر لم تمر بحالة من الحرية السياسية و الفكرية كهكذا حالة نمر بها الآن و هو أمر يظهر بوضوح في الإتجاهات العشوائية لكل القوى الوطنية فمن تكوين أحزاب بالجملة إلى ترشيح عشرات المرشحين لأنفسهم من أجل خوض الإنتخابات الرئاسية ناهيك عن صحافة و إعلام تتبارى في نشر كل ما كان محرماً من أخبار و كانت تغلفه القدسية كثروة حسني مبارك و جرائم حبيب العادلي و ما إلى ذلك
لقد أصبح نشر الخبر صباحاً يعقبه تكذيبه مساءاً ، و رغم ما يحمله هذا من تخبط و بعض السلبية إلا أنها ظاهرة صحية تنم عن حرية حقة و مسئولية إعلامية

إن الثورة منحت كامل الحريات لكل من يعيش على أرض هذا الوطن و مع الحرية شعر الجميع بهول المسئولية عن تلك الحرية فغدوا لا يألون جهداً في العمل الجاد لصالح هذا الوطن

إلا بعض الشراذم و الفلول كبقايا النظام الساقط و حفنة من الإخوان المسلمين - و ليس جميعهم -

إن من يخشى على مصر من تأثير الثورة المضادة قد يكون واهم فرغم وجود المحاولات المستميتة لتدمير ثورة 25 يناير و وجود ثورة مضادة بالفعل إلا أن تأثيرها أصبح من الضعف بحيث لا يذكر فكل المحاولات تبوء بالفشل تباعاً و تقتل أشعة شمس المستقبل جراثيم الماضي في مكامنها

لقد إعتاد الإخوان المسلمين على نظام مبارك حتى أن أدبياتهم داخل الجماعة أقرت بديمومته و تشكلت عقولهم و بالتالي سياساتهم على أساس خلود نظام مبارك و لم تكن ثورة 25 يناير تداعب أحلى أحلامهم ، لذلك فإن التحول المفاجيء في الواقع السياسي لمصر أصابهم بالصدمة و الذهول فضلاً عن سرعة منح الحريات لجميع طوائف الشعب مما ساهم في تضاؤل حجم الإخوان اللذين كانوا يعتاشون على مكاسبهم من قمع النظام لهم و قمعه لغالبية الشعب و سلب حرياته و تهميشه

لقد باتت كل تلك الأمور اللتي كان الإخوان يتغذوا على نتائجها أثراً بعد عين و بالتالي فلقد فقدوا أهم مصادر نموهم و إنتشارهم

لم يعد رجل الشارع يكتفي بـ ( حسبي الله و نعم الوكيل ) في نظام الحكم بل أصبح يعتصم و يحتج و يطالب بحقوقه بشجاعة و إقدام ، لقد إكتشف انه قادر و لديه الإرادة للتغير و ليس مهيض الجناح ، إكتشف أن بإمكانه تغيير الحكومة و الحاكم و الدستور و حل مباحث أمن الدولة بعدما كان يصمت و يهرب و يمشي جنب الحيط و يلجأ لمتابعة الرياضة أو الجلوس على المقهى أو للخدمات الإجتماعية تحت لواء الإخوان المسلمين

الإخوان اللذين نجحوا بمساعدة النظام الساقط في إقران الدين بالسياسة ليصبح شعارهم هو الحل اللذي يلجأ له رجل الشارع لينتقم من نظام يراه مستبداً و زنديقاً و ماجناً لأنه ظلمه و نهب حقه و بخسه أمواله

و الآن و قد عادت الحقوق أو كادت هل سيظل المواطن المصري يبحث عن حائط ليسير بجواره أم أنه سيخرج من قوقعته ليقول رأيه و يطالب بحقوقه دون خوف من أمن الدولة أو من براثن نظام مبارك اللذي ولى و ذهب بإرادته إلى مزبلة التاريخ

الشهور القادمة ستكون حبلى بمفاجآت جديدة كإنحلال جماعة الإخوان من داخلها و رفض لبعض رموز الأقباط المتطرفين من داخلهم أيضاً و ستبزغ شمس الحرية مبددة ظلمات عشنا فيها لعشرات السنين و لكنها أبداً لم تعش فينا

الاثنين، مارس 14، 2011

مصر .. إلى أين ؟

بكل تأكيد نحن في إنتظار رئيس الجمهورية الجديد .. نتحاور و نتناقش و نختلف و نتفق حول الشخص ، ثم نعود فننتظر برامج المرشحين لمنصب الرئاسة لنتدارسها و نقف على أجداها و أنفعها لمصر ثم ننتقي الأفضل

و بكل تأكيد أيضاً ستكون برامج المرشحين مستمدة من معلومات صحيحة عن كل ما يتعلق بإقتصاد مصر و ثرواتها و قواها و مصادر الدخل و الأحجام الحقيقية للأمية و البطالة و الفقر و الأمراض ، ناهيك عن مستوى التعليم و البحث العلمي و غيرها من ضروريات توضع في الإعتبار لوضع برنامج رئاسي محكم و ناجح

و لكن ماذا عن الخارج ؟

للكثير من الأسباب قامت الثورة و لكن غالبية أسبابها كما جميع مطالبها داخلية .. و الآن و قد نجحت الثورة و بدأ بناء نظام جديد في مصر ، نختلف أو نتفق على خطوات بناءه و لكن في النهاية هو نظام جديد يقوم على الإختيار الحر للشعب بجميع طوائفه

لقد لعبت قناة الجزيرة القطرية دوراً هاماً في نجاح الثورة ، و لها كل الشكر و لكن .. هل أدت الجزيرة عملها بمهنية .. أم ببعض الإنتهازية ؟

للجزيرة ككيان إعلامي مصالح مادية مفادها هو وجودها دائماً في قلب الحدث و رغم ما يبدو من هذا أنه مهنية إلا أنه في الحقيقة هدف مادي يؤدي إلى سعة الإنتشار و زيادة عدد المشاهدين مما يؤدي إلى زيادة الإعلان على القناة و رفع أسعاره و ما إلى ذلك

و لكن الجزيرة أيضاً كيان سياسي له مصالحه و توجهاته

وضاح خنفر مدير عام الجزيرة الفلسطيني الجنسية و أحد قادة حماس الغير معلنين و أحد أقطاب الإخوان المسلمين يمثل "أكثر الأشخاص قوة وتأثيراً في العالم" وفقاً لمجلة فوربس عام 2009 ( المصدر) ، و ذلك من خلال ضبطه لإيقاع قناة الجزيرة بما يخدم أهدافه ، و إسقاط نظام حسني مبارك اللذي ساعد على حصار غزة و ساعد إسرائيل من خلال الغاز و البترول المصريين و الجدار الفولاذي و إغلاق معبر رفح في وجه أهل غزة .. إسقاط هذا النظام يمثل أمل عريض للجزيرة ، و لعل إتفاق أهداف الثورة مع أهداف الجزيرة صنع نوعاً من التعاطف المتبادل بين الطرفين

ليس النظام المصري فقط ، بل كل الأنظمة العربية اللتي تهاونت في حق الشعب الفلسطيني و كانت تقف في صف أعداءه بصمتها على مجازر إسرائيل من مصلحة الجزيرة إسقاطها و مساعدة الشعوب العربية على إختيار حكامها لا سيما و الشعوب العربية جميعها تتعاطف مع القضية الفلسطينية بعكس الحكام الغائبين في سكرات كراسي الحكم و الخائفين من المكر الأمريكي و الإسرائيلي اللذي قد يزلزل الأرض من تحت عروشهم

لا يعني كل ما سبق إغفال الدور الإعلامي الكبير لشبكة الجزيرة في نقل الحقائق المفزعة اللتي تدور على الأرض و لكنه يعني أن مهنية الجزيرة العالية بشهادة وسائل إعلام غريبة لا يستهان بخبراتها تقبل القسمة على إثنين أحدهما رسالة إعلامية نبيلة و الأخرى رسالة سياسية موجهة

كما لا يعني كل ما سبق أن الهدف من كتابة هذا الموضوع هو نقد دور شبكة الجزيرة أو تحليل توجهاتها

و لكن الهدف هو من الشخص المناسب المطلوب لحكم مصر ؟

بغض النظر عن الشخصيات اللتي نعرفها منذ الآن و الشخصيات اللتي قد تطفو على السطح مستقبلاً لتعلن عن نيتها في الترشح .. أبحث الآن عن النمط المطلوب لحكم مصر في هذه الفترة

و النمط لا يرتبط بالضرورة بأشخاص حاليين و لكنه قد يرتبط بأشخاص تاريخيين حكموا مصر في ظروف مشابهة

لست ناصرياً و لا أتعاطف بأي شكل مع الرئيس جمال عبد الناصر و لا اقبل أخطائه الكارثية اللتي ما زلنا نعاني منها حتى الآن أو على الأقل حتى 25 يناير الماضي ، و لكن بكل صدق .. نحن في حاجة الآن لنفس نمط شخصية جمال عبد الناصر ليحكم مصر

نحتاج بشدة إلى عنترياته في مقارعة القوى الكبرى نداً لند في زمن بتنا فيه على مستوى تلك الندية فعلاً و لسنا نتسول مليار جنيه لبناء السد العالي ، نحتاج لتلك العنترية لتستعيد مصر دورها الإقليمي و العربي و الدولي بسرعة و بقوة

نحتاج لإنجازاته الداخلية على المستوى القانوني ( قانون العمل الحالي كارثي و قوانين الإسكان و العقارات و النقابات و غيرها مآسي تمشي على الأرض )

نحتاج لإنجازاته الداخلية على المستوى الصناعي ( نمتلك الكثير من الخبرات و نستطيع جذب الكثير من الإستثمارات و لكنهم جميعاً كانوا في أيد غير أمينة على مصر و المصريين )

نحتاج لإنجازاته الداخلية على المستوى الزراعي ( إستصلاح الكثير من الأراضي لنعود فنمتلك تقرير مصيرنا من خلال إمتلاكنا لقوت يومنا من محاصيل إستراتيجية حولنا النظام السابق لمتسولين لها )

نحتاج لإنجازاته على المستوى الحربي ( نمتلك منظومة صناعية حربية أكثر من نصفها معطل بناءاً على أوامر أمريكية ليظل ميزان القوى في الشرق الأوسط يميل لصالح إسرائيل )

نحتاج لما كان يتميز به من كاريزما أمالت إليه قلوب الكثيرين من مصريين و عرب ..

نحتاج لهذا النمط من الشخصيات و لا نحتاج إلى عبد الناصر آخر .. فهل هناك شخص حالياً يمتلك كل ما سبق ؟

عيوب ثورة 25 يناير

كلما تذكرت مصر قبل 25 يناير أشعر بالغثيان خاصة بعدما عرفت الكثير - و ليس كل - من قضايا الفساد و الفاسدين و المنتفعين و غيرهم ممن أضاعو على مصر سنيناً كان يمكننا خلالها مناطحة ماليزيا إقتصادياً

و لكن كلما يمر يوم على مكاسب ثورة اللوتس كلما شعرت أن هناك خلل في تلك الثورة أو ربما يكمن الخلل فينا نحن نتيجة حكم فردي شمولي إستمر لأكثر من نصف قرن

أبدأ يومي بالبحث عن جديد السياسة و ما أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة فأجد الكثير من التقدم بإتجاه الدولة المدنية كما وعد الجيش و أجد كذلك الكثير من الإلتزام بمحاربة الفساد و الفاسدين و لكن دائماً ما تكون النتيجة غير مكتملة ، فمثلاً يحترم الجيش رغبة الثوار في حل مجلسي الشعب و الشورى و لكن لا يحترم نفس الرغبة في رفع قانون الطواريء و لا يحترم نفس الرغبة في إقالة حكومة الفريق أحمد شفيق

لم نسمع بعد عن مصائر كبار الحرس القديم و هم بالتأكيد كبار لصوص المال العام كأحمد فتحي سرور و صفوت الشريف و مفيد شهاب و اللذي فوجئت بالأمس بترشيحه لمنصب أمين عام جامعة الدول العربية ثم فوجئت أيضاً بسحب هذا الترشيح و إستبداله بالدكتور مصطفى الفقي و هو أيضاً من رجال نظام مبارك

لم نسمع عن زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية أو عمر سليمان أو جمال و علاء و سوزان مبارك أو مبارك نفسه و ما كدسه من ثروات و أموال لا ندري مصادرها

هناك خلل ناتج من الفصل الكبير بين من قاموا بالثورة و من نجحوا فيها فاللذين قاموا بالثورة هم شباب مصر و من ثم إلتفت حولهم جموع الشعب لعدالة مطالبهم و مشروعيتها ، و لكن اللذين نجحوا في الثورة هم ضباط المجلس الأعلى للقوات المسلحة و هم من تسلموا الحكم و هم من يقبلوا بعض مطالب الثوار و يصمتون أمام المطالب الأخرى

لقد سمعنا جميعاً أن الرئيس السابق حسني مبارك تنازل عن الحكم بشروط و أتعجب هنا ممن يكون في موضع ضعف و يضع شروط و يبدو أن من تلك الشروط عدم المساس به أو بأحد من أسرته .. و إن كان هذا الشرط صحيح فهو غير مقبول فلا أحد فوق القانون حتى لو كان صاحب الضربة الجوية اللتي أذلت هامات المصريين و آذتهم ربما أكثر مما آذت إسرائيل

و تأتي مشكلة الشائعات لتلعب دوراً كبيراً في إجهاض الثورة و تفريق الثوار لنجد وائل غنيم متهم بالعمالة و هو أساساً مجرد أحد الثوار و ليس قائد و لا يمثل إلا نفسه و بعض من تعاطفوا مع خالد سعيد فما بالكم إذا خرج أحدهم ليعلن أنه صانع الثورة و قائدها .. ماذا سيكون مصيره و ماذا ستكون إتهاماته ؟

إن أحد أهم عيوب الثورة أنها سلمية - ليس تحريضاً على العنف - فتلك السلمية منحت الآخرين ( القوات المسلحة ) صك الشرعية و السلطة و الحكم و بالتالي فإن مطالب الثورة لن تتحقق جميعها أو على الأقل لن تتحقق كما أريد لها أن تكون
تم النشر في 19 فبراير 2011

قراءة في ثورة 25 يناير

في حقيقة الأمر أن ثورة 25 يناير لم تتحول بعد إلى ثورة بمعناها السياسي الصحيح فالثورة تسقط نظاماً و تقيم نظام و لكننا ما زلنا حتى اللحظة الراهنة بصدد إسقاط النظام لذلك فهي ما زالت مجرد حركة إحتجاجية ، لكن هذا لا يمنع أن نقول أن الثورات هي أنبل و أشرف التحركات الشعبية نحو غد أفضل فهي الحركة اللتي تأتي دائماً من القاعدة العريضة للشعب و تهدف دائماً لإصلاح جذري سياسي و إجتماعي و إقتصادي في البلد القائمة فيه

و منذ أن بدأت الحركة الإحتجاجية أو الثورة المصرية في 25 يناير و هي تمر بمحطات كبرى و سريعة قد لا يسمح الوقت القصير بإستقراءها بالشكل الكافي كما أن تلك المحطات في الأوقات غير الإستثنائية قد تتطلب شهوراً و ربما سنوات لتتحقق

كما أن هناك ظروف خاصة و عامة ساعدت في إنجاح الثوار و دعمتهم و ساعدت في وصولهم لموقف قوي و واضح على أرض الواقع

من تلك الظروف على سبيل المثال أن شرارة الثورة و عنفوانها إندلعا في أيام يتوسطها عيد الشرطة و لمن لا يعرف فإن عيد الشرطة يستلزم من غالبية أفراد الشرطة تحضيرات للإحتفالات و زيارة معتادة من السيد رئيس الجمهورية و إجراءات تبذل فيها جهود كبيرة من قبل أفراد الشرطة مما ساعد على أن يكون الجهاز الأمني في وقت إندلاع الثورة في أسوأ حالاته العملية على الأرض فالتعب و الإنهاك و السهر الطويل لقوات الأمن المركزي ساعد بشكل كبير على عجزهم عن صد جموع الشباب و بالتالي إضطروا للإنسحاب من أرض المعركة

قد يقال هنا أو هناك أنه كانت هناك خطة تدعى خطة أجاكسي لمواجهة الثورات بإجراءات مضادة كفتح السجون و إنسحاب قوات الأمن و ما إلى ذلك من سيناريو حدث أثناء الثورة و لكني في الحقيقة غير مقتنع كثيراً بتلك النظرية لكون الأحداث كانت سريعة و مفاجأة حتى للثوار أنفسهم

كما أن قوات الأمن كانت على علم بنزول قوات الجيش للمساعدة و الدعم و هو الأمر اللذي يقوض نظرية خطة أجاكسي فتلك الخطة تعتمد على سحب جميع عناصر الأمن من شرطة و جيش و هو ما لم يحدث

و من الظروف المساعدة على إنجاح تلك الثورة أيضاً هو إفتقار هؤلاء الشباب لهدف قومي يجمعهم تحت رايته مما جعل بعضهم يظن أحياناً أنه قد فقد إنتمائه لهذا البلد و مجرد شعورهم بأنهم معاً يواجهون قوة و تنكيل جهاز الشرطة يمنحهم القوة و الحماس خاصة مع تجذر فكرة الخطأ الفادح اللذي تفعله الشرطة بمقاومتهم ، لقد بات هدفهم البعيد - إسقاط النظام - هو الهدف القومي لهم و لقاعدة عريضة من الشعب المصري و نجاح المظاهرة المليونية في حد ذاته هو الدليل الأكبر على قومية هذا الهدف و إلتفاف الكثير من الشعب حوله بل أزعم أن الأغلبية الساحقة من المصريين قد شعروا بقومية هذا الهدف

قامت الثورة في وقت كان التحضير فيه لتوريث منصب رئاسة الجمهورية على قدم و ساق و في تلك النقطة بالتحديد لدي بعض الرؤى الخاصة

فرؤيتي لفكرة التوريث أنها جاءت بداية من قرينة الرئيس كتأمين مستقبلي للأسرة و الأبناء خاصة و الظروف كانت تنبيء بتمرير تلك الخطة ببساطة و يسر لكون مفاتيح التشريع مضمونة و ولائها الأول لأسرة الرئيس فمجلسي الشعب و الشورى حتى بتكوينيهما قبل الإنتخابات يمتلكان أغلبية للحزب الوطني و الحزب في حد ذاته يقبع في جيب الرئيس الأيمن و الجهات الأمنية و المعنية بقمع المعارضة تقبع في جيبه الأيسر و الرأي العام العالمي يعنيه في المقام الأول أمن إسرائيل و مبارك هو أحد أهم ضماناته ، إذن فقضية التوريث محسومة إلى حد كبير و لم يكن يبقى عليها سوى الخطوة الأخيرة و اللتي كانت ستتخذ - في تصوري - حال القضاء على اللغط الدائر حول تزوير الإنتخابات التشريعية الأخيرة و هي خطوة تعيين السيد جمال مبارك نائباً لرئيس الجمهورية

سياسياً هي خطوة لا غبار عليها فالسيد جمال أمين عام مساعد الحزب الوطني و رئيس لجنة السياسات بالحزب كما أنه الحاكم الفعلي لمصر منذ خمس أو ست سنوات فضلاً عن أنه يلازم السيد الرئيس كظله في رحلاته الخارجية الرسمية ناهيك عن تحركاته الداخلية و اللتي تتسم بالحيوية و دعم للطبقة الكادحة شكلاً و ليس موضوعاً حتى أن بعض أصحاب المظالم باتوا مؤخراً يلوذون به لرفع مظالمهم و سواء كان هذا الإتجاه مدبراً أو عفوياً فله تأثير بدرجة ما في تكوين الرأي العام المصري

و لكن جماهيرياً كانت خطوة مرفوضة تماماً خاصة من النخبة المثقفة و المهتمة بالشأن السياسي و لكن هؤلاء قلة بطبيعة الحالة الأمنية كما أن الأمن سيكون كفيلاً بإسكات تلك الأصوات أو على الأقل شرائها و على الجهات الإعلامية مساندة تلك الخطوة في ظل التهليل و التكبير المستمر لحكمة السيد الرئيس في كل حركاته و سكناته

بقى جناح وحيد لم و لن يقبل بأي حال حدوث توريث السلطة و هو الجيش و المخابرات العامة ، الجيش لكونه كمؤسسة وطنية يستشعر وجوب خروج الحاكم من بين أبناءه خاصة و الرئيس مبارك قد نجح نجاحاً باهراً على مدار ثلاثة عقود في إكتساب ولاء المؤسسة العسكرية من ناحية و من ناحية أخرى نجحت تلك المؤسسة في قمع و إسكات القلة من الأصوات المعارضة بداخلها ، و لكن هذا الولاء العظيم لم يكن ليسمح برئيس مدني يقصي المؤسسة العسكرية من مسئلة صنع القرار كما أن الرئيس نفسه لم يكن يأمن توريث نجله و رفع حصيلة إحتمالات قيام إنقلاب عسكري ضده

أما الجانب الآخر من الجناح الرافض للتوريث و هو المخابرات العامة فيأتي رفضه لعلمه اليقيني بحالة الفساد المذهلة اللتي بدأت تستشري في جميع أوصال الوطن كناتج لزواج السلطة مع الثروة و هو إفراز طبيعي لوزارة غالبية وزرائها من رجال الأعمال قام السيد جمال مبارك بنفسه بإختيارهم و وضع كل منهم في منصبه المناسب ، كانت المخابرات على علم بكل حالات الفساد و لكنها لم تستطع إزاء تلك المفاسد إلا الصمت نظراً لكون المتورط بعيد كل البعد عن أن يدخل قفص الإتهام

لكن الضغوط الأسرية على الرئيس مبارك لإعلان نيابة نجله في منصب الرئاسة كانت شديدة ، و كان الرئيس نفسه يرفض تلك النيابة و يضع بدائل لها لأنه كان يخشى اللحظة اللتي وصلنا إليها الآن ( ليس هذا دفاعاً عن الرئيس مبارك و كنها رؤيا قد تخطيء و قد تصيب )

و قد جاءت إنتخابات مجلس الشعب الأخيرة لتكون القشة اللتي قصمت ظهر البعير و تكون الشرارة اللتي أشعلت نيران الثورة في صدور المصريين و ألهبتها خاصة و قد جاءت ثورة الياسمين في تونس لتعلن بوضوح أن الشعوب العربية ما زالت حية و تستطيع الرفض و الإعتراض ، و تعالت أصوات داخل مصر ليست فقط من تلك الرافضة لتزوير إرادة الأمة و لكنها تلك اللتي تعلن أن الشعب المصري ليس أقل شجاعة من الشعب التونسي و من هنا بدأ الغليان و الثورة

كالعادة بدأ السيد حبيب العادلي في مواجهة الثورة بأساليبه البدائية المعتادة ، و هنا لي ملحوظة ليس فقط على حبيب العادلي و لكن على النظام برمته فالملاحظ قبل و بعد قيام الثورة أن النظام يستخدم أساليب القرن التاسع عشر في مواجهة فكر و توجهات القرن الحادي و العشرين و هو الأمر اللذي تثبت شدة غرابته أن الهدف من المواجهة ليس العلاج و إنما كسب الوقت فرغم وجود قيادات شابة و منفتحة كالسيد جمال مبارك في الحزب الوطني إلا أن التعاطي مع المشاكل و الأزمات ما زال يفتقر إلى التناسب مع الحدث فالسيد حبيب العادلي واجه الفكر بالقوة و واجه الرأي المعارض بالرصاص المطاطي رغم أن المنطق السياسي يقر بأن القمع لن يبدل الرأي و لكنه قد يسكته لفترة أو يمنحه الوقود ليشتعل

كانت المواجهة الغير متكافئة بين قوات أمن منهكة و لم تنم لخمسة أيام و بين محتجين ألهب صدورهم الظلم و الشعور المهين بالتهميش و ظلام المستقبل فكانت النتيجة الحتمية بالإنتصار للطرف الأقوى فكراً و حجة

و هنا حدثت ثلاثة أمور في تصوري

الأول هو الهلع و الرعب اللذي أصاب قوات الأمن من الأمر الواقع اللذي فوجئوا به و هو أنهم محاصرين و غير قادرين على المواجهة بل و مهددين بالتنكيل و هو ما دفعهم للإنسحاب الفوري و الغير منظم من أرض المعركة - إذا صح التعبير - و العودة لثكناتهم ذلك رغم الأمر الواضح - كما علمنا فيما بعد - بتلسيم تأمين البلد لقوات الجيش

الثاني هو الذهول اللذي سيطر على النظام و تداعيات الثورة التونسية و إجبار الرئيس بن علي على الرحيل أو الموت و قد طالت الفترة اللازمة لزوال هذا الذهول ليحل محله القلق على الحياة و المستقبل و وجوب إعلان موقف طال إنتظاره حتى ساعات فجر السبت الأولى و هو خطاب السيد الرئيس الأول

الثالث هو أيضاً ذهول المحتجين و حيرتهم بعد أن وجدوا أنفسهم منتصرين في معركة لم يختاروها و لم يسعوا للنصر فيها فكانت الحيرة بالغة لتحديد الخطوة التالية

و قد جاءت الخطوة التالية بأسرع مما توقع الجميع ، فبدأ الحانقين و الكارهين للنظام و رموزه في تحطيم و إشعال كل ما يمت للنظام بصلة في غياب أهم أذرع النظام و هو الأمن و باتت الحيرة بالغة بين حماية الأملاك العامة للدولة و بين القضاء على ممتلكات رجال الأعمال الفاسدين اللذين إمتصوا دماء الغالبية العظمى من الشعب المصري العظيم

على الجانب الآخر وجد الكارهين لجهاز الشرطة - و هم أغلبية ساحقة - في أيديهم الفرصة الذهبية للإنتقام فراحوا يأخذون بثأرهم ممن أهانوهم و عذبوهم و أذلوهم و حاصروا أقسام الشرطة و بعضهم ذبح و قتل بعض أفراد الشرطة إنتقاماً لذاكرة مثقلة بإهانات و تعذيب فاض الكيل منه و بالتالي إضطر كل من يرتدي زي الشرطة إلى الإنسحاب خوفاً على حياته

تبقى أمامي علامة إستفهام كبيرة تدور حول السبب و المتسبب في فتح السجون و أرى نظرياً أن المتسبب في فتح السجون هم أهالي المساجين و إن كنت غير مقتنع تماماً بذلك التفسير و لكنه منطقي إلى حدٍ ما

و في تلك الليلة تفتقت قريحة السيد حبيب العادلي عن حل مذهل يتلخص في ترويع الناس و حملهم على الإختيار بين القمع و الذل مع الأمن و الأمان أو الحرية مع الخوف و الإرهاب .. و كما ذكرت سابقاً فتلك العقلية اللتي تعود للقرن التاسع عشر لا تتناسب مع عقلية القرن الحادي و العشرين مما كشف المخطط الساذج أمام الشعب الناضج الواعي بل و إنقلب السحر على الساحر حينما كشفت اللجان الشعبية عن أن غالبية من قاموا بإطلاق الرصاص و السلب و النهب هم من عناصر الشرطة أو من عناصر أمن الدولة

إلى هنا تبلورت على أرض الواقع خمسة قوى تتحكم في المشهد الوطني إحداهم شرعية و الباقيات يفتقرن للشرعية

القوة الأولى هي قوة الشعب و بناءاً على المادة الثالثة من الدستور و اللتي تنص على :

المادة (3)
السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور.

فقد باتت القوة الوحيدة الشرعية تسحب السلطة الممنوحة لرئيس الجمهورية منه بموجب حقها الدستوري في منح أو منع السلطة و من خلال شعار موحد و رنان " الشعب يريد إسقاط النظام "

و القوة الثانية و هي غير شرعية بناءاً على ما تقدم هي السلطات المتمركزة في يد السيد محمد حسني مبارك بصفته رئيس الجمهورية تحت حماية و دعم القوة الثالثة و هي القوات المسلحة و هي القوات اللتي كان من المفترض أن تحمي الدستور و تقف في جانب الشرعية الدستورية لا في جانب الرئيس المخلوع

و القوة الثالثة كما أسلفت و هي القوات المسلحة صاحبة السيادة الآن على الأرض و صاحبة الخيار في حماية الشرعية الدستورية أو حماية و دعم الرئيس المخلوع

و القوة الرابعة و هي قوة رجال الحزب الوطني و قد فصلت تلك القوة عن قوة الرئيس المخلوع لسببين :

الأول أن الرئيس المخلوع يحظى بدعم القوات المسلحة لكونه أولاً أحد رموزها و أحد أبطال حرب أكتوبر و ثانياً لأن القوات المسلحة لن تمنح دعمها لرجال الحزب الوطني لما تقدم من أسباب مفادها أنها - أي القوات المسلحة - لا ترغب في تولي أحد هؤلاء زمام الأمور كخليفة للرئيس المخلوع

أما القوة الخامسة و هي المخابرات العامة ممثلة في السيد عمر سليمان فتلك القوة حتى هذه اللحظة دورها يقتصر على المراقبة و التسجيل لكون المتهم الرئيسي كما ذكرت بعيد كل البعد عن الدخول في قفص الإتهام

و بدأت القوى الخمسة في التحرك لمواجهة الأزمة

فقام الرئيس المخلوع كرد فعل بدائي معتاد و لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بتعيين السيد عمر سليمان نائباً له و هو أحد البدائل اللتي ذكرتها قبلاً في حالة تأزم الأمور و إنسداد الطرق المؤدية للتوريث كما قام بإقالة وزارة رجال الأعمال السيئة السمعة و كلف الفريق أحمد شفيق بتشكيل وزارة جديدة و قام كذلك بإقالة السيد أحمد عز من الحزب الوطني

و هنا لنا ثلاث وقفات

الأولى مع السيد عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات العامة منذ 17 سنة و المدرك تماماً نتائج فساد رجال الحزب الوطني على الأمة و على مقدرات الشعب و هو الرجل المرعب كما وصفته وثائق ويكيليكس ، هذا الرجل لا غبار عليه كشخص وطني مؤمن بشرعية مطالب الشعب و لكن هناك فرق بين منصب أمني رفيع كمنصب رئيس جهاز المخابرات العامة و منصب سياسي كمنصب نائب رئيس الجمهورية فتعيينه في هذا المنصب أكسبه حتمياً صبغة النظام الحاكم و جعله جزء من المعادلة السياسية المرفوضة جملة و تفصيلاً في الشارع المصري و كذلك أجبره هذا التعيين على التماهي بشكل أو بآخر مع السياسات المتبعة من خلال النظام الحاكم في مواجهة الشعب و قد يكون قبوله لمنصب نائب الرئيس مسئلة حياة أو موت للرئيس المخلوع أو حتى لإستقرار الوطن و لكن المؤكد أنه بقبوله ذلك المنصب يزج بنفسه في خضم من الظنون و الشك و الريبة قد يفقد فيه تاريخه المشرف في خدمة هذا الوطن

و رغم دخول الرجل في معترك السياسة الخارجية في فلسطين و السودان بل و منافسته أحياناً للسيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري إلا أن ممارسته للسياسة كانت تبتعد به دائماً عن الشأن الداخلي و هو الأمر اللذي جعله الرجل المجهول لقاعدة من الشعب المصري و قد لا يأتي هذا الغموض في صالح مستقبله السياسي

و الثانية مع الفريق أحمد شفيق وزير الطيران المدني و هو رجل لا غبار عليه أيضاً و جدارته يعرفها القاصي و الداني خاصة في تطوير و النهوض بمصر للطيران و هو كشخص محترم إلى أبعد الحدود و لكن إختياره كرئيس للوزراء لم يكن يرتكن لكفاءته المعروفة و لكن لكونه أهلاً للثقة من ناحية و من ناحية أخرى لكونه رجل عسكري مثله في ذلك مثل اللواء عمر سليمان و هي نفس العقلية و نفس الفكر اللذي يتعامل مع الشعب المصري منذ ثلاثة عقود و قد اورثنا الضياع

قد تكون تلك التعيينات إن جاءت في وقت مبكر تستحق الإحترام و منح الفرصة لجني الثمار و لكن توقيتها جاء كالعادة بعد فوات الأوان

أما الوقفة الثالثة فهي مع إقالة السيد أحمد عز من الحزب الوطني و هي أقالة تلاها تحميل الرجل كل تبعات ماحدث - كما جاء على لسان رجال الحزب الوطني - و هو تصرف معتاد من النظام اللذي يبحث دائماً عن كبش فداء لإنقاذ نفسه و رمي المسئولية بعيداً عنه و أنا أعترف بكل صراحة أن كبش الفداء هذه المرة كان عجلاً حنيذاً

و لكن النظام شعر أن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ بل أن الإحتقان يزداد فإضطر النظام إلى رمي آخر ورقة يستطيع اللعب بها ( بإرادته ) و هي تعديل المادتين 76 و 77 من الدستور

نعود هنا إلى تحرك القوى الخمسة كل في إتجاهه و صالحه و قد كانت أكثر هذه القوى تحركاً و تأثيراً هي قوة رجال الحزب الوطني فبمجرد تعيين اللواء عمر سليمان في منصب نائب رئيس الجمهورية تعرض في ذات اليوم لمحاولة إغتيال فاشلة ( نفتها وسائل الإعلام الحكومية ) و هو ما يوضح رفض نجل الرئيس لضياع المنصب منه بل و سعيه لإخلاء الساحة ممن يمكن الوثوق فيهم للإرتقاء لهذا المنصب

ثم تحركت نفس القوة لتحاول فض الإعتصام في ميدان التحرير بأساليبها المعهودة فبمجرد إنتهاء الرئيس المخلوع من خطابه المغرق في العاطفية و الهادف لإستمالة قلوب المصريين لا عقولهم إنطلق رعاع الحزب و بلطجيته لضرب و ترويع المعتصمين في ميدان التحرير و كانت نجاح تلك المحاولة في فض الإعتصام سيكون أمام الرأي العام نتيجة طبيعية لخطاب الرئيس المخلوع العاطفي و اللذي بدوره أقنع الجموع المحتشدة في فض إعتصامهم .. و لكن فشلت الخطة

و هنا إنتقلت الأمور لمرحلة أخرى خطيرة فالخطاب العاطفي للرئيس المخلوع بالفعل أقنع الكثيرين بالكف عن الإحتجاج لكن ما تلاه من قتل و ترويع أذاب هذه القناعة و حولها إلى إصرار على الإستمرار فكانت أفعال رجال الحزب وبالاً على الرئيس المخلوع

فبدأ الإنهيار و أجبر الرئيس المخلوع من قبل نائبه المدرك لما يدور حوله على تصفية الحزب الوطني تقريباً من ضلوعه و على إقالة نجله من أمانة السياسات و هو أول تصرف يجبر مبارك إجباراً على القيام به و هو سياسياً يصب في صالح عمر سليمان و يمنح موقفه المزيد من القوة و يدعمه بالمزيد من القيادة و يفتح بالتالي ملفات فساد كان مسكوتاً عنها و لكنه بالتأكيد لن يفتح جميع الملفات

إلى هنا توقف المشهد السياسي عند هذا الحد و بقى أمران قليلا الأهمية و هما منع بعض الوزراء من السفر و تجميد أرصدتهم و هي أمور ضرورية لمنح الحكومة الجديدة الثقة و المصداقية في محاربة الفساد و لكن النتائج النهائية لهذا المنع و ذلك التجميد قد لا تكون بالقوة المأمولة

الأمر الآخر هو حوار بعض رموز المعارضة و جماعة الإخوان المسلمين مع نائب الرئيس و هو أيضاً أمر يفتقر للأهمية لأن المعروض من ثمار لذلك الحوار هو خيارات محدودة للغاية و قد يكون اشترك من اشترك في هذا الحوار لمجرد جني بعض المكاسب السياسية متسلقين في توجههم هذا جدران الثورة الشعبية الجارفة

بقى أن أقول أن بقاء الوضع على ما هو عليه أي إعتصام المعتصمين لفترة طويلة سيفقد الثورة بريقها بل قد يفقدها القدرة على الفعل و بالتبعية سيفقدها صفتها ( الثورة ) و تنتهي في أفضل الأحوال كحركة إصلاحية جاءت و ذهبت دون تأثير آني قوي في المشهد السياسي المصري
نشرت بتاريخ 7 فبراير 2011

الخميس، فبراير 18، 2010

الفضيلة

الفضيلة

فردوس البشرية المنشود


جاد الزمان بعالم فيزياء ذو عقل أسطوري أثبت بأدلة قاطعة أن النسبية هي القانون السائد في هذه الكون و هو ألبرت أينشتين ، و لم يكن يتصور أينشتين أن تلك النسبية ليست حصراً على المادة فقط بل تمتد إلى المنطق و العقل و المباديء و القيم بل و الضمائر

الفضيلة هي كيان هلامي يفتقد لمعالم واضحة و أبعاد ثابتة فلكل منا فضيلته كما يتصورها و كما يريدها تماماً مثلما الضمير ذلك العضو المعنوي الخيالي و اللذي يتكون من قوانين و مباديء يصقلها الزمن في وجدان الانسانية لتتغير و تتبدل و تنقلب أحياناً رأساً على عقب

منذ تكون الكون و تشكل النجوم و المجرات و الكواكب و الأقمار ثبتت قواعد فيزيائية كقانون لا يمكن الفكاك منه ذلك لترسخ الثبات في الحياة و الموت ليستمد الانسان إستقراره الحيوي من ذلك الثبات و الديمومة في نظام الكون و بالتالي نظام حياته فقد أدى ثبات نظام الحياة المادية إلى إطمئنان الإنسان و ترسيمه لخطط مستقبله إعتماداً على ماضيه اللذي يمده ببصيرة ترى مستقبله متطابقاً كونياً مع ما مضى و قياساً بحاضره اللذي هو جزء من مستقبله و بداية لا تنتهي لماضيه

و منذ خلق الإنسان ككائن فريد يتميز بالعقل و المنطق و القياس ناهيك عن الذاكرة و اللتي تمنحه القدرة على التعلم و إكتساب الخبرات و الإستفادة من الأخطاء لعدم تكرارها و هو يبحث عن ميزان لمتطلباته و رغباته من ناحية و قوانين الحياة و كيان الآخرين من ناحية أخرى فإذا آثر الفرد صالحه و الإشباع التام لرغباته و تلبية جميع متطلباته سيواجه حينئذٍ حقيقة تبدو مفزعة تتمثل في سلب الآخرين حقوقهم و تحويل الحياة إلى خدمة فرد واحد فقط و هو ذاته و بالتالي برزت صعوبة شديدة في الوصول الى معادلة تمنح جميع أطراف الحياة حقوقاً متساوية و بالتالي ترسي مبدأ ما يسمى بالعدالة

تغيرت العدالة رغم فرضية ثباتها فالعدالة المجردة - في رأيي - تعني الظلم المجرد ذلك أن تكوين البشرية يجبر البشر على منح ذواتهم الأفضلية المطلقة مما يقلص فرص إرساء العدالة المطلقة على أرض الكوكب ناهيك عن تمييز بعض أفراد الجنس البشري عن البعض الآخر كسبيل لتوحيد المصير تحت عنوان القيادة فلكل مجموعة أو مجتمع لابد من وجود قائد لها تماماً كقيادة سفينة تحمل بين جنباتها العديد من البشر ، و من هنا بدأت تتدخل الإستثناءات في مجرى العدالة المطلقة لتحوله عن صحيح إتجاهه و لكن الإنسان اللذي كان صالحه يرتفع فوق كل المستويات آثر أن تكون تلك العدالة الممزقة هي مبدأ العدالة المطلقة كما يراه فسن الإنسان قوانينه الخاصة و اللتي منحت بعض أفراد مجتمع ما مزايا تتفوق على البعض الآخر ، و لم يأت الإنسان بذلك التوجه من فراغ أو من بنات أفكاره فلقد كان التاريخ معيناً ينهل منه مبرراته في خرق جدار العدالة بدئاً من الرسل و الأنبياء و مروراً بالملوك و الرؤساء و إنتهائاً بالعصابات و المجرمين ، كانت كل تلك الأمثلة التاريخية مرجعاً له ليخترق العدالة مبرراً ذلك الإختراق بتحري العدالة ذاتها

بينما العدالة تبحث عن مكتشفها كان الضمير يبحث عن مكوناته أيضاً ليتشكل و يصبح كياناً متحكماً في صاحبه و لما كان الضمير هو نتاج لمجموعة من القيم و المباديء كانت العدالة كقيمة هي أحد أهم مكوناته و معاييره و لما كانت العدالة تاريخياً كائن كسيح نتيجة الإستثناءات اللتي مزقتها كان الضمير بالتبعية كياناً مرناً طيعاً يبحث لصاحبه عن مبررات لإستثناءاته بدلاً من أن ينهي صاحبه عن تلك الإستثناءات ، و بالتالي باتت القيم و المباديء ذات طابع شخصي و تمثل وجهة نظر هدفها الرئيس هو الصالح ، الصالح هنا قد يسمى مجازاً بالصالح العام بينما الحقيقة أن الصالح العام هو في جوهره صالح خاص بمجموعة أو مجتمع أو دولة و بالتالي يعود ذلك الصالح العام صالحاً خاصاً يتجاهل آخرين بل قد يحطم حقوق هؤلاء الآخرين

و عندما يسمو الإنسان - كما يعتقد - على قوانين ذاته المنادية بالإشباع و التلبية يقترب - أيضاً كما يعتقد - مما يسميه الإنسان الفضيلة ، و تلك الفضيلة ما زالت تتأرجح تكويناً و حجماً بين زمن و آخر و بين مجتمع و آخر و بين إنسان و آخر فلكل منا فضيلته الخاصة و اللتي يتصور أنها الفضيلة المطلقة بينما الفضيلة المطلقة هي المحال بعينه بالنظر لكائن يسمى الإنسان لا يمكنه العيش دون الحاجة للآخرين و دون أن يشبع و يلبي رغباته و إحتياجاته

الفضيلة هي كل شيء حسن و هي تضاد الرذيلة و يقال أيضاً أن الفضيلة هي الحالة الوسطية بين حالتين متطرفتين فمثلا تكون الفضيلة هي الحالة اللتي تتوسط الإسراف و البخل أو الحالة اللتي تتوسط التهور و الجبن و تسمى في الحالة الاولى الكرم و الجود و في الحالة الثانية تسمى الشجاعة

يحضرنا هنا إشكالية كبرى في تعريف الفضيلة ففضيلة الشجاعة قد تمتد في تصور بعض العقول إلى لف حزام ناسف حول الجسد و تفجيره و يسميها هؤلاء بالجهاد بينما قد تتقلص في ذات المجال إلى البقاء في المنزل خشية التعرض لأذى و يسميها هؤلاء الحرص و كلتا الحالتين يسميهما صاحباهما بمسميات ترضيه و تريح ضميره بغض النظر عن النتائج أياً كانت

قد يقع إختلاف دائم بين الأشياء و مسمياتها و ينبع ذلك الإختلاف من تفاوت بشري في الحكم على الأمور و ينتج هذا التفاوت من تفاوت أكبر في قدرات و حواس و بيئات الأفراد كون الضمير يتشكل إعتماداً على الخبرات الشخصية بجانب القواعد الأساسية و لذلك سنت بعض الدول عقوبة الإعدام بينما حرمتها دول أخرى و لكل منهما مبرراته المقنعة لنفسه

فاللص مثلاً يجد من المبررات ما يقنعه أنه على صواب و يختلف الحكم على هذا الصواب بين لص و شرطي ، بينما السرقة في حد ذاتها مخالفة للقانون يمكننا أن نقول أن السرقة كانت مباحة حتى وضع قانون يجرمها و بالتالي قد نمعن النظر من جديد في مبررات اللص لنفسه

فقبل تحريم الخمر لم يكن الخمر محرماً و قبل تحريم الزنا لم يكن الزنا محرماً و قبل تحريم الربا لم يكن الربا محرماً ، ليس هذا فحسب بل أن المحرم في الشرق ليس بالضرورة هو محرم في الغرب فالربا متمثلاً في المصارف مباحاً في الشرق و الغرب على حدٍ سواء بينما الخمر المحرم في مجتمعات ما مباحاً في مجتمعات أخرى و لكل مجتمع مبرراته ، و ليس هذا فقط فقسوة العقاب على إتيان محرم تختلف بين مجتمع و آخر بل بين قانون و آخر بل أيضاً تختلف تلك القسوة و ذلك العقاب بين دين و آخر ، فالسعودية تقطع يد السارق و تجلد البعض تعزيراً بينما فرنسا تمنع النقاب و تبيح شرب الخمر و المسئلة لا ترتكن إلى الخلفية الأيديولوجية فحسب بل يمتد إختلاف المعايير في الأساس الفكري للحكم على الأشياء إلى المستوى الوجداني للمجتمع ، لأن المجتمع اللذي يرى أن سلب الفرد حياته أمراً يسيراً لن يجد غضاضة في قطع يده بينما المجتمع اللذي يجرم و يحرم سلب الفرد حياته سيجد آلاف الموانع في مجرد سجن الإنسان عقاباً له ، و المسئلة تحجمها الخلفية المجتمعية في الأساس لأن مجتمعات البادية لا تجد في القسوة بجميع أشكالها قبحاً لكون القسوة في الأساس تملأ سمائهم و أرضهم و خطوات حياتهم اليومية بينما مجتمعات المدنية ذات الفكر المتطور و اللتي تبذل قصارى جهدها في سبيل رفاهية الفرد لديها تجد كل القبح و الرفض في ممارسة القسوة

و تضل الفضيلة الطريق بين أولئك و هؤلاء فاللذي يجد الفضيلة في قطع يد السارق يرى على الجانب الآخر تساهلاً بل و فساداً في مجرد توبيخ السارق أو فرض عقاب معنوي عليه بينما صاحب الوجدان الأرقى يجد الوحشية في قطع يد السارق لكون الإنسان هو فكر قبل أن يكون جسد فأين الفضيلة ؟

الفضيلة إذن أصبحت رهناً بوجهة النظر مثلما هي العدالة فاللذي يقول من قتل يقتل لا يجد عدالته في دولة تمنع الإعدام و حينها تتغلب وجهة النظر الأخرى على رغبة الإنسان ليجد نفسه مضطراً لقبولها و تدريجياً يجد نفسه مؤمناً بها

لكن الفضيلة بأشكالها المختلفة سواء كانت مقبولة أو مرفوضة هي أمر ضروري و مطلوب لتسيير حياة البشر كيفما أرادوا لها أن تكون فبدون الفضيلة و بدون العدالة تصبح الغلبة لنداء الرغبة و الشهوات و تصبح الحياة الإنسانية مثالاً متطابقاً للحياة الحيوانية و اللتي حرمت من الفكر و الإبداع الإنساني ، و لكن هل تلك الحياة حرمت من الفضيلة ؟

سؤال أجده في قمة العمق فهل الحياة الحيوانية بقانون الغاب اللذي يحكمها هي حياة تفتقر إلى الفضيلة و العدالة ؟

قد تكون الإجابة بنعم رغم أن إستمرار تلك الحياة منذ الأزل يضع أمام أعيننا حقيقة وجود قواعد و نظام صارم لتلك الحياة لتستمر على مدار كل هذا الزمن فمن غير المنطقي أن تكون حياة الغاب بلا نظام و لا عدالة و تستمر آلاف بل ملايين السنين

و عندما تكون الإجابة لا نجد أمامنا حقيقة أكثر مرارة و هي أن حياة الحيوان تعتمد على مبدأ البقاء للأقوى مما يعني الوحشية بمقياس الإنسان رغم أن تلك الوحشية كما يسميها الإنسان هي أسلوبه في التعامل مع الحيوان ، فمنطق العلاقة بين عالم الإنسان و عالم الحيوان منطق وحشي و رغم ذلك تستمر الحياة و لا تنتهي و لا تشكو من جور جنس على آخر

بعيداً عن عالم الحيوان و قانون الغاب نعود إلى صديقنا الإنسان صاحب المباديء المنقوصة لخدمة أغراضه الشخصية ، و صاحب التنوع الفكري على مر العصور في التعاطي مع المجتمع كبيئة محيطة يتطلع الإنسان فيها إلى التعايش و التأقلم بحيث يشبع رغباته و لا يعتدي على رغبات الآخرين ، ينال حقوقه و لا يسلب الآخرين حقوقهم ، بيد أن تلك المشكلة لم تكن لتصبح مشكلة أمام الأضعف بل هي أصبحت مشكلة أمام الأقوى أو المتساوي في الرتبة بينما الأضعف يعاني دائماً من التمييز و العنصرية ، لذلك كانت العدالة كسيحة و منقوصة فعندما تضطهد الأكثريات الأقليات تصبح العدالة موئودة بلا ذنب و كذا العنصرية اللتي تمزق داخل المظلوم كل معاني إنسانيته و رقيه و تمنح ضميره رخصة مفتوحة لممارسة كل أشكال الرذيلة دون وازع

لقد بنيت العنصرية على الإختلاف فالمختلف مع الأقوى يجب محوه أو إستعباده و تنوع هذا الإختلاف بين اللون و العرق و الجنس و الدين و اللغة و غيرهم

بيد أن أقسى أنواع العنصرية هي تلك المبنية على الجنس ذلك أنها لن تنتهي إلى قيام الساعة فعناصر الإختلاف الأخرى قد تلاقي مقاومة نتيجة المجموع و الكثرة بينما عنصر الجنس يبقى ثابتاً حيث يستعبد الجنس الأقوى الجنس الأضعف بشتى الطرق و الألوان

و بينما الإنسان يجد في عالمه فضيلته و ينفيها عن العوالم الأخرى يثبت التاريخ و الدراسة أن العوالم الأخرى رغم بدائيتها كعالم الحيوان و عالم الحشرات هي عوالم مفعمة بالفضيلة و لكنها فضيلة عذراء لم تتعرض للتجريف كما تعرضت فضيلة الإنسان و اللتي تحولت من قتل القاتل إلى سجنه و أحياناً تغريمه بينما في العوالم الأخرى لم تتغير الفضيلة منذ البداية و حتى قيام الساعة فهي فضيلة لن تتغير ، و قد لا يراها الإنسان تماماً مثلما لا يرى الأشعة تحت الحمراء و لا يسمع صوت الخفاش بينما الخفاش يسمع صوت ذاته و يسمع صوت الإنسان أيضاً ، و إجمالاً فليس ما لا يراه الإنسان حتماً ليس موجوداً و كائناً بل هو موجود و قائم و لكن حواس الإنسان القاصرة لا تراه

ففضيلة الحيوان قائمة و لكن منطق الإنسان لا يدركها ، كما أنها فضيلة بكر و ليس ثيب كما فضيلة الإنسان

و إجمالاً أصبحت الفضيلة ما هي إلا شيء نسبي ليس له قياس ثابت فلا نراه إلا بنسبته إلى قيمة ثابتة فتجريم السرقة لم يكن كذلك إلا بعد وضع قيمة ثابتة تسمى القانون لذلك أصبح الشرف هو الإلتزام بالقانون و لكن الشرف دابة عمياء يقودها القانون المولود من رحم الوجدان الإنساني صاحب الفضيلة النسبية و العدالة الكسيحة و ما بني على باطل فهو باطل

يسود الإرتباك المنظم عالمنا البشري ليجعل من حياتنا أمواج متلاطمة تروح و تغدو حاملة معها قيمنا الإنسانية كما نعرفها صعوداً و هبوطاً

الجمعة، يناير 29، 2010

لعنة الفراعنة تسحق محاربي الصحراء

لعنة الفراعنة تسحق محاربي الصحراء





في سيمفونية رائعة تجلت فيها حكمة الفراعنة و حنكتهم تمكن أبطال مصر و نجوم منتخبها الوطني من سحق محاربي الصحراء

تجلت حكمة الفراعنة في فنونهم و أخلاقهم و تعاونهم و عزيمتهم و إصرارهم و صلابة إرادتهم و قوة حماسهم و تعاونهم و خبرتهم و قوة تنظيمهم و نظافة لعبهم و رفعتهم على من هم معدومين في كل ما سبق

لقد كانت المبارة في دور الأربعة لكأس الأمم الأفريقية نموذج للمصريين حين تكون إرادتهم أقوى من الظروف و حين يكون توفيق الخالق مسدداً لخطواتهم على المستطيل الخضر ، و تكمن أهمية هذه المباراة في كونها برهاناً واضحاً على إستحقاق منتخب الفراعنة للصعود لبطولة كأس العالم و برهاناً كذلك على كون هزيمتهم في السودان كانت وليدة الترهيب و التخويف و التهديد الجزائري و اللذي إتضح اليوم أن منتخب المليون شهيد لا يملكون غير القوة البدنية و الضرب و الإيذاء و الوعيد فقط بينما الموهبة و الأخلاق و اللعب المحترم النظيف أمور لا يعلمون عنها الحد الأدنى

لقد جاءت موقعة أنجولا متناسقة إلى حد الكمال فكان الحكم البنيني بالمرصاد لأي تجاوز على أرض الملعب و كشفت عدالة الحكم و يقظته حقيقة منتخب المليون شهيد فكان طرد ثلاثة لاعبين منهم بما فيهم حارس المرمى دليلاً للعالم أجمع على حقيقة منتخب المليون شهيد و إشارة واضحة لتلاعب هؤلاء المرتزقة في مباراة السودان و اللتي فازوا فيها بالإرهاب و ليس بالموهبة

إنني و رغم قلة أو عدم إهتمامي بكرة القدم إلا أن الإستفزاز و الإجرام الجزائري أثار في نفسي و في نفس كل مصري بركاناً من الغضب كان لابد من فوز اليوم لتبريده و قد كانت النتيجة بأربعة أهداف برداً و سلاماً على صدور الشعب المصري اللذي تعرض لظلم فادح جراء فوز الجزائر غير المستحق في مباراة السودان

بيد أن الدرس اللذي أخذوه من فراعنة العالم لن يكفي لشفاء الصدور بالكلية فصعودهم إلى كأس العالم بالإرهاب و الإيذاء أوغر صدور المصريين فضلاً عن إيذائهم للجماهير المصرية في السودان رغم أنهم فازوا !!

بجانب الإيذاء للجالية المصرية في الجزائر و أعمال الشغب في فرنسا على الرغم من فوزهم و هذا إن دل فإنما يدل على سوء الخلق إن كان هناك شيء من الخلق في الأساس

لقد شهد العالم بأسره المباراة و علم و أدرك حق الإدراك أساليب و طرق منتخب المليون شهيد في لعب كرة القدم و أدرك كذلك لماذا هب الشعب المصري بجميع طوائفه بعيد هزيمة منتخب الفراعنة في السودان فالمسئلة في أساسها و جوهرها لا تتعدى حد المنافسة الرياضية و لكن دولة المليون شهيد آثرت أن تثبت للعالم و التاريخ أنها دولة بلا مباديء و شعب بلا أخلاق

و ما زلت و أشقائي من الشعب المصري العظيم في إنتظار أصداء الهزيمة الساحقة على صفحات صحفهم و على وجوه إعلامييهم اللذين صدعوا رؤوسنا بمنتخبهم و ما حققه و ما سوف يحققه

هذا بالإضافة لأننا ننتظرهم في كأس العالم لنرى حجم الإنجاز اللذي قاتلوا بوحشية و لا أخلاقية لنوال وضعهم على أول طريقه

الثلاثاء، ديسمبر 02، 2008

سطوة المرأة

سطوة المرأة
الليلة لم أستطع النوم جاءني هاجس ملح و قدير يمنعني النوم و لا يترك عقلي يستريح لحظة من التفكير ، لم أكن لأستسلم له لولا منطقيته و دلائله التاريخية و الإنسانية و المعاصرة أيضاً ، و دلائله الشخصية كذلك
إن هاجسي المؤرق هو إنبهاري بسطوة المرأة على الرجل ، نعم لا خطأ إملائي و لا لغوي في الجملة إنها جملة مجردة تستلهم تجريدها من تجريد الحقيقة لا قناع الواقع فالواقع دائماً يفتقر إلى تفسير حقيقي و قد ينبري المفسرون للواقع في إسناده ظلماً إلى لا منطقيات يحولها تعليلهم و حرصهم على منطقتها إلى منطقيات نقتنع بها منطقاً و لا تقنعنا حقيقة
إن الواقع يعرب عن صدوعه لمسلمة سطوة الرجل على المرأة و يساند ذلك الصدوع و يعضده عدة مباديء و معارف منها التاريخي و منها العلمي و هي في مجملها تؤدي بنا إلى الإعتراف و التسليم بواقع نراه و نقتنع به منطقاً بأن الرجل مسيطر على المرأة ، ننخدع دائماً بلمعان الذهب و لا نتوقع ليونة تماسكه و هشاشة جزيئاته كما ننخدع بصلابة الألومينيوم و لا نتوقع خفة وزنه في حين هي حقيقة
كذلك ننخدع برؤيانا الفريدة لسلطة الرجل على المرأة ، تلك السلطة اللتي منحتها إياه الأديان و الأعراف و طبيعته البيولوجية و أخيراً منحها إياه المجتمع لا سيما الشرقي و اللذي يرفض - شكلاً - أي نوع من أنواع تميز الأنوثة على الذكورة رغم أن ذلك المجتمع أيضاً مخدوع في تصوره و رفضه
إن المرأة تمتلك من المقاليد اللتي تمكنها ليس فقط من ترويض الرجل بل من تحريكه عن بعد ، تمتلك من تلك المقاليد ما لا يمكن تصوره خاصة إذا كان الرجل المستهدف قد رضي و سلم كل مفاتيح قواه - دون أن يدري - لتلك المرأة ، و اللتي عندما تحترف التحكم في رجلها فإنها تبدع في تحكمها و تنفرد بخلق معجزات إن أرادت و إيقاع كوارث إن أحبت
تاريخياً لم يكن هناك رجل عظيم بلا إمرأة و قد يضعها التاريخ - المدون من وجهة ذكورية - موضع المحظية أو الجارية أو على أفضل الأحوال الزوجة صاحبة الجهد العادي و الطبيعي في مجال حياتها بينما تقترب الحقيقة من الأسطورة حين نجد هيروديا تعبث بإرادة زوجها هيرودوس مرتين مرة عندما دفعته للإستيلاء عليها و إنتزاعها من أخيه إذ كانت زوجته و مرة بدس إبنتها سالومي عليه لتحقق أمها رغبة مجنونة في قتل يحي عليه السلام
و قد كان و فعلت سالومي المعجزة بل الكارثة بأن دفعت هيرودوس لقتل نبي من أنبياء الله في مقابل .... رقصة من سالومي الجميلة
بيد أن الجمال وحده ليس الدافع الأكبر لتسلب المرأة إرادة الرجل فالجمال رغم تنوعه و عدم نسبته إلى الجسد فقط إلا أنه وحده ليس مؤثراً نفسياً كافياً لنيل المطالب بل هناك ما هو أوقع و أشد تأثيراً ألا و هو ضعف الأنثى و لعمري ما هو بضعف البتة بل هو جبروت يقطر جحيماً لولا إحتمال بعضنا له لإحترقت الدنيا و ما عليها بلهيبه اللافح و برمضائه المستعرة
لم يذكر التاريخ عظيماً كطاغية أو كصالح إلا و كانت إمرأة تلوح في أفقه فمنذ بدء الخليقة و التلازم النسائي للرجل لا ينقطع بشكله القصصي الدرامي أو بشكله القصصي الإجرامي أو بشكله القصصي الحميد فآدم لازمته حواء و لم يكن الشيطان ليدخل لآدم و يعبث بعقيدته إلا من خلال ما يمكن وصفه بالتحكم المركزي و اللا محدود في إرادته و هو حواء ، لا أدين حواء هنا فليس ذنبها أن كانت ذات سطوة لا تقاوم على زوجها كما أني لا أدين إقليما أخت قابيل أن كانت أجمل من ليوثا أخت قابيل و لا أدعي أن إقليما هي المتسبب في قتل قابيل و المتسبب أيضاً في جعل جيوش البشر التالين بصالحيهم و طغاتهم هم أبناء القاتل ، إنما أنا أرصد وقائع تشي بحقائق لا مراء فيها و لا جدال
كذلك لا أدين كليوباترا السابعة اللتي حرضت يوليوس قيصر على قتل أخيها بطليموس الثالث عشر ثم تركت يوليوس قيصر لتتزوج من ماركوس أنطونيوس و اللذي إنتحر عقب هزيمته في معركة أكتيوم البحرية غربي اليونان لتنتحر كليوباترا لا لإنتحار زوجها و لكن لكي لا تسير في شوارع روما مكبلة كأسيرة لأوكتافيوس بعد أن هزم زوجها الثاني ماركوس أنطونيوس
كذلك لا أدين تاييس محظية الإسكندر الأكبر و صاحبة القداسة في العقيدة المسيحية فتلك القديسة حسب العقيدة المسيحية تابت من بعد إنحلال لتتحول إلى قديسة بعد ذلك
لا أدين زليخا أو إمرأة العزيز كما ذكرها لنا القرآن الكريم فهي لم تختر لنفسها الكيد و لم تكن مراودتها إلا لضعفها
كل النساء غير مدانات فالطبيعة لا يعاقب عليها القانون و يتعامل معها المنطق بالتسليم و الصدوع ، تلك طبيعة في نساء العالمين و تلك الطبيعة قد يتهاون في تقديرها الرجل و قد يجد في التقدير و لكنه في جميع الأحوال لا يقدرها حق قدرها فذلك الضعف المدجج بالجمال و البراءة و الطفولة و الرقة و العذوبة و الجزل هو إما باب من أبواب الجحيم أو روضة من رياض الجنة و بتطبيق حاجات النفس البشرية و إفتقارها الدائم إلى دعائم أساسية أو ثانوية أو ترفية فالنتيجة غالباً لن تكون تلك الروضة الفردوسية و للأسف !

السبت، مايو 31، 2008

نورت مصر و فرقة وكر العصفور

نورت مصر و فرقة وكر العصفور

عندما تصل السفاهة و اللامسؤولية إلى قمتها يتعذر على اللغة وضع مصطلح مناسب لها ، سمعت اليوم أغنية من نوع الراب لفرقة سعودية تطلق على نفسها اسم وكر العصفور ... تحفل تلك الأغنية بالسب و القذف بألفاظ قمة في السفالة و الوقاحة في حق مصر و المصريين و في نفس الوقت فوجئت بأغنية مضادة لشاب مصري يرد بها على سفالة الأغنية السعودية فشعرت بفداحة المصاب اللذي وصل بالشباب العربي لهذا المستوى المتسطح من الحوار

لا أجد ما يمكنني الرد به على الفرقة السعودية إلا أن أذكر لهم و للشعب السعودي قاطبة تاريخاً حافلاً بالتخلف و الرجعية و الغباء و السذاجة فبصفتي مصري و أحد المستهدفين بألفاظ تلك المأساة كان لزاماً علي الدفاع عن هويتي و إفاقة هؤلاء الأقزام من أعماق الغيبوبة اللتي أدخلتهم فيها سكرات النفط الفائض الزائد و اللتي تناسوا مع وسناتها أصلهم التاريخي و الجغرافي و الإنساني

تناسوا كيف كانت جاهليتهم و أميتهم و بدائيتهم و كيف قامت دولتهم المنسوبة لملك متواطيء مع رجل دين لتقوم على أنقاض ضميريهما مملكة لا تألوا جهداً في الإنبطاح لسادة العالم في البيت الأبيض حتى تنال الرضا ، و الأمثلة أكثر من مجرد جمعها في كلمة و أقربها قضية فتاة القطيف اللتي نالت عفواً ملكياً بعد الضغط الأمريكي على جلالة الملك ليعفوا عنها

المملكة السعودية رغم ما نالته من شرف وجود الحرمين الشريفين إلا أن الشرف لا يناله السفهاء و الأشقياء و ما زال الخواء العقلي لشعبها تنعق فيه الرياح غادية رائحة

فطامهم نفط و أموالهم وهبات النفط و حين ينفد النفط فحدث و لا حرج على هؤلاء الأبقار الضالة و أجهل أهل الأرض و أبعدهم زمناً و فكراً عن أي معنى من معاني الحضارة و العلم

لم يعد في قوس الصبر منزع فالأساليب المهينة اللتي يستخدمونها مع المصريين على أراضيهم و الغمز و اللمز على الشعب المصري و أحواله بات الصمت عليهم من المستحيلات .. لابد من صفعة قوية و مدوية لهؤلاء السفلة الرعاديد ليفيقوا من سباتهم و غيبوبة النفط اللتي أذهبت عقولهم خلف شهواتهم و ملذاتهم ، شيوخهم تنموا أموالهم من عرق المومسات على أعتاب مواخير أوروبا و الدول اللتي كانت عربية فباتت تتنصل من عروبتها و هويتها لتنال إستحسان الغرب المتربص بالخلق العربي و القيم و المباديء العربية الأصيلة ، نساؤهم تصرخن خجلاً من ممارساتهم اللاأخلاقية و اللاإنسانية و المنافية لكل الشرائع السماوية و النتيجة يعف اللسان عن ذكرها

شبابهم يضوعون بين الوهابية و إرهابها و بين الإباحية المستترة المدعمة بما لا ينفد من أموال نفطهم
و تنتشر على مواقع البورنو العربية كليبات لفتيات و زوجات سعوديات تكفي مجرد الإشارة إليها ليتعرف العالم على حقيقة المملكة من الداخل ، تلك البلاد اللتي يتم فرض الدين فيها فرضاً رغم قول الحق سبحانه " لا إكراه في الدين " إلا أن هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا تكتفي بمجرد القول بل يمتد عملها إلى الفعل و الضرب و الإيذاء لإجبار الناس على ممارسة العبادات ... أي بلاد تلك اللتي تفرض الدين فرضاً ؟ و أي نتيجة منتظرة على من لا يصلي بقلبه بل بآلامه و سحجاته ؟

إن الفرقة السعودية " وكر العصفور " ليست قلة منحرفة و ليست أغنيتهم القمة في الإنحطاط مجرد زوبعة في فنجان و لكن السعودية ككل بدأت تشعر بضآلة حجمها سياسياً و إنعدام تأثيرها مقارنة بمصر ... مصر صانعة حضارات العالم و صاحبة فجر الضمير تاريخياً ، مصر المعجزات و أعاجيب الدنيا ، مصر المذكورة في القرآن الكريم و السنة الشريفة ، مصر تاريخ الإنجازات و المشاريع العملاقة ، مصر قناة السويس و السد العالي و الأهرامات و منارة الإسكندرية ، مصر الثورات و الصحوات ، مصر حرب أكتوبر و معجزة العبور العظيم ، مصر اللتي إستردت كامل أراضيها المحتلة بالحرب و بالسلم و بالقانون ... أين أنتِ يا مملكة من مصر و المصريين ؟؟؟!!!

و من المفارقات الغريبة أن يكون نزار قباني الشاعر اللبناني أحد الناقدين القدامى لهؤلاء الحفاة العراة إذ قال :

نزار قباني
الحب والبترول

متى تفهمْ ؟
متى يا سيّدي تفهمْ ؟
بأنّي لستُ واحدةً كغيري من صديقاتكْ
ولا فتحاً نسائيّاً يُضافُ إلى فتوحاتكْ
ولا رقماً من الأرقامِ يعبرُ في سجلاّتكْ ؟
متى تفهمْ ؟
متى تفهمْ ؟
أيا جَمَلاً من الصحراءِ لم يُلجمْ
ويا مَن يأكلُ الجدريُّ منكَ الوجهَ والمعصمْ
بأنّي لن أكونَ هنا.. رماداً في سجاراتكْ
ورأساً بينَ آلافِ الرؤوسِ على مخدّاتكْ
وتمثالاً تزيدُ عليهِ في حمّى مزاداتكْ
ونهداً فوقَ مرمرهِ.. تسجّلُ شكلَ بصماتكْ
متى تفهمْ ؟
متى تفهمْ ؟
بأنّكَ لن تخدّرني.. بجاهكَ أو إماراتكْ
ولنْ تتملّكَ الدنيا.. بنفطكَ وامتيازاتكْ
وبالبترولِ يعبقُ من عباءاتكْ
وبالعرباتِ تطرحُها على قدميْ عشيقاتكْ
بلا عددٍ.. فأينَ ظهورُ ناقاتكْ
وأينَ الوشمُ فوقَ يديكَ.. أينَ ثقوبُ خيماتكْ
أيا متشقّقَ القدمينِ.. يا عبدَ انفعالاتكْ
ويا مَن صارتِ الزوجاتُ بعضاً من هواياتكْ
تكدّسهنَّ بالعشراتِ فوقَ فراشِ لذّاتكْ
تحنّطهنَّ كالحشراتِ في جدرانِ صالاتكْ
متى تفهمْ ؟
متى يا أيها المُتخمْ ؟
متى تفهمْ ؟
بأنّي لستُ مَن تهتمّْ
بناركَ أو بجنَّاتكْ
وأن كرامتي أكرمْ..
منَ الذهبِ المكدّسِ بين راحاتكْ
وأن مناخَ أفكاري غريبٌ عن مناخاتكْ
أيا من فرّخَ الإقطاعُ في ذرّاتِ ذرّاتكْ
ويا مَن تخجلُ الصحراءُ حتّى من مناداتكْ
متى تفهمْ ؟
تمرّغ يا أميرَ النفطِ.. فوقَ وحولِ لذّاتكْ
كممسحةٍ.. تمرّغ في ضلالاتكْ
لكَ البترولُ.. فاعصرهُ على قدَمي خليلاتكْ
كهوفُ الليلِ في باريسَ.. قد قتلتْ مروءاتكْ
على أقدامِ مومسةٍ هناكَ.. دفنتَ ثاراتكْ
فبعتَ القدسَ.. بعتَ الله.. بعتَ رمادَ أمواتكْ
كأنَّ حرابَ إسرائيلَ لم تُجهضْ شقيقاتكْ
ولم تهدمْ منازلنا.. ولم تحرقْ مصاحفنا
ولا راياتُها ارتفعت على أشلاءِ راياتكْ
كأنَّ جميعَ من صُلبوا..
على الأشجارِ.. في يافا.. وفي حيفا..
وبئرَ السبعِ.. ليسوا من سُلالاتكْ
تغوصُ القدسُ في دمها..
وأنتَ صريعُ شهواتكْ
تنامُ.. كأنّما المأساةُ ليستْ بعضَ مأساتكْ
متى تفهمْ ؟
متى يستيقظُ الإنسانُ في ذاتكْ ؟

السبت، يناير 19، 2008

قبل فوات الأوان .. يا حكومة

قبل فوات الأوان .. يا حكومة

مرة أخرى أجدني مدفوعاً للتعليق على سياسات الحكومة و لكن هذه المرة يشمل تعليقي المجالس النيابية و اللتي هي من المفترض أن تكون رقيباً على عمل الحكومة

أثار مشروع قرار برلمان الإتحاد الأوروبي و اللذي يضع ملاحظات حول الحريات المدنية و حقوق الإنسان في مصر ، أثار حفيظة الحكومة و هو أمر طبيعي و منطقي ذلك أن المشروع يضع ملاحظاته على أداء الحكومة المصرية في صدد حقوق الإنسان و الحريات المدنية و الأقليات الدينية ، و لكن الغير طبيعي و الغير منطقي هو إستياء البرلمان المصري من مشروع القرار و كذلك إستياء مجلس الشورى فالمجالس النيابية بديهياً تمثل رأي الشعب و حتمياً تحتوي على جزء معارض من أعضائها فضلاً عن أن أحد أبرز وظائفها هي مراقبة عمل الحكومة و تصحيح أخطائها و يصل دور تلك المجالس إلى حد سحب الثقة من الحكومة ، بينما اللذي حدث أن تلك المجالس النيابية تضامنت مع الحكومة في الغضب الجامح و الرد العصبي على مشروع القرار و هو ما يمثل خللاً تشريعياً و سياسياً فالمعني بالرد على هكذا قرارات هو الحكومة ممثلة في وزارة الخارجية و هي الجهة الوحيدة تشريعياً المنوط بها التعامل مع الخارج رسمياً و بالتالي عندما يتدخل البرلمان المصري و مجلس الشورى المصري في الأمر فهو نوع من خلط الأوراق و تبادل المهام بين ممثلي الشعب و بين من يحكمه و هو أيضاً دليل غير مباشر على مصداقية مشروع القرار و موضوعية إنتقاداته

الغريب أن إتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية تمنح الطرفين الحق في مراقبة و التعليق على حجم الحريات المدنية لدى الطرفين و كون الطرف المصري لم يستغل هذا الحق في إنتقاد تجاوزات المجتمعات الأوروبية في حق الأقليات الدينية و القومية فهو تنازل طوعي من الجانب المصري عن ممارسة حق نصت عليه الإتفاقية و في ذات الوقت فهذا التنازل الطوعي لا يجبر الطرف الآخر على المعاملة بالمثل فضلاً عن أن ذلك الحق المتبادل بين الطرفين يثير تساؤل حول الرد المصري الغاضب على مشروع القرار فالمفترض أن الجانب المصري على دراية تامة بأن مشروع قرار البرلمان الأوروبي هو فعل طبيعي ناتج عما أتفق عليه في إتفاقية الشراكة و معنى إعتراضه على ذلك المشروع أنه إعتراض صوري يهدف أولاً التأثير على الجانب المعارض المصري داخلياً و يهدف ثانياً إلى محاولة منع أي إدانات دولية مستقبلاً تشير إلى نفس السلبيات و يهدف ثالثاً إلى طمئنة الجانب الأميركي إلى أن إنتقاداتهم السابقة لحقوق الإنسان في مصر و اللتي بموجبها تم منع مائة مليون دولار من المعونة الأمريكية لمصر و رهنها بإحراز تقدم على أرض الواقع قد لاقت صدى لدى الجانب المصري و أنها في طريقها إلى التنفيذ

و في سلبيات الحريات المدنية و حقوق الإنسان و العنصرية و إضطهاد الأقليات في دول الإتحاد الأوروبي لنا نظر لأن تلك التجاوزات يكون معظمها من جهة الشعب و المجتمع و أقلها من جهة الحكومة و هو أمر يكشف فشل إنسان القرن الواحد و العشرين في مجاراة الرقي الأخلاقي و الحقوقي المقترن بالزمن فالقرن الواحد و العشرين يجب فرضاً أن يكون قرن النضج الأخلاقي للحضارة الإنسانية فإنسان القرن الواحد و العشرين هو الإنسان اللذي تراكمت لديه المعارف و العلوم بحيث أدرك أن العلم و الأخلاق هما المحركان الرئيسيان لحضارته و تقدمه و أدرك كذلك أن القوة و القهر و الحروب هم من بدائيات الإنسانية و اللتي لا يصح أن تصل إلى هذا الرقي و التحضر و تظل معتمدة على البدائية في الحياة و في التعامل

و العصبية و الغضب الجامح اللذان ظهرا بشكل صارخ في رد الحكومة ممثلة في شخص السيد أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري و ظهرا بشكل أوضح في ردود المجالس النيابية يدلان أن الرد جاء بلا دراسة و بدون روية و تفهم للأمور فإنتقادات حقوق الإنسان في مصر باتت مضغة في حلوق العالم تارة تأتي من الغرب و أخرى تأتي من أوروبا ناهيك عن الفضائيات اللتي لا يمر يوماً عليها إلا و تنتقد حقوق الإنسان في مصر

الأمر اللذي يجب أن يثير القلق لدى الحكومة و يبعث على التفكير فليس من المعقول و لا المنطقي أن تكون تلك الإنتقادات كلها كيدية كما أنه ليس من التمدن الرد على كل إنتقاد بالرفض و وصفه بأنه تدخل في الشئون الداخلية لبلد ذا سيادة و له حجم مصر السياسي و الإقليمي و له دور مصر الريادي في المنطقة و العالم ، بل أن هذه الأسباب المتمثلة في ثقل مصر و ريادتها تجبر الحكومة على بحث تلك الإنتقادات و أخذها مأخذ النصح و الإرشاد و ليس مأخذ الإملاء و الوصاية ، و حتى إذا كانت إملائاً و وصاية فهو أمر - للأسف - طبيعي لأن تلك الإنتقادات تأتي من دول تمنح مصر مليارات الدولارات و ملايين اليورو كمنح و مساعدات ، كما أن الحريات و الحقوق المدنية ليسا مجالاً للإختلاف و الإتفاق كملف إيران النووي على سبيل المثال و لكنها مسلمتان يفرضهما علينا و على العالم الوضع الإنساني و القانوني و الحضاري للبشرية و يجب أخذهما بعين الإعتبار و تلمس الخطوات الحقيقية و الفاعلة لإزالة أي إنتقاد يمس الحريات و الحقوق المدنية

و مأخذ آخر يبدو أكثر وضوحاً على الحكومة و هو الرد الغريب على بيان الجهاز المركزي للمحاسبات و اللذي اسقط الضوء بشدة على سلبيات الحكومة ، إذا كانت أي حكومة في الكون لها إيجابيات و لها سلبيات فالموضوعية و الإنصاف يحتمان عليها عدم المكابرة في مواجهة السلبيات عند ذكرها أما الإنكار بل و التطاول على رجل بحجم المستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات فهو غرور غير مبرر و مكروه و يشكل خلق نجم شعبي و قبلة للمعارضة من شخص السيد المستشار جودت الملط و هو ما حدث بالفعل حيث بدأ التمجيد و التهليل من صحف المعارضة و الصحف المستقلة موجهاً للسيد المستشار جودت الملط رغم أنه رجل كل إنجازاته تتلخص في أداء واجبه بنية صافية و بتفاني و وطنية إلا أن تلك القيم في هذا الزمان لندرتها بات وجودها في شخص مجتمعة يجعل من هذا الشخص بطلاً أسطورياً و هي في حقيقتها أمراً طبيعياً و مفترضاً في معظم الناس

الحكومة للأسف تشتري كراهية الشعب بشكل محموم و لا تتعلم من أخطائها و تتصور أن إنجازاتها اللتي تتمثل في خلق مستقبل مشرق ستشفع لها عند رجل الشارع اللذي يعيش على مبدأ أحيا اليوم و أموت غداً

لا أنكر إيجابيات و إنجازات الحكومة و أتفهم الأسباب الموضوعية اللتي تقف خلف الزيادات الهائلة في الأسعار و أدرك صعوبة و مرارة المرحلة الإنتقالية بين الإشتراكية و الرأسمالية و لكن الغالبية العظمى من الشعب الكادح تنظر مجبرة تحت أقدامها و لا تتسامح أبداً مع المساس بمستوى معيشتها أياً كان و هو الأمر اللذي يثير الإحتقان و يبث الكراهية لتلك الحكومة خاصة مع المقارنات الغير منصفة مع دول الجوار و مع أزمنة غابرة تلك المقارنات اللتي تثيرها الصحف المعارضة و اللتي إحترفت الصيد في الماء العكر

لست واحداً من أثرياء هذا البلد و لست ممالئاً للحكومة و لست متملقاً للنظام ، كما أنني لست تابعاً لأي طيف أو فكر سياسي معارض أو مستقل و لست إخوانياً إنما أنا أريد الإصلاح بصفتي أحد أبناء هذا البلد و أحد اللذين يدينون لها بالولاء ، ولاء الإنتماء و الحب و الوطنية و ولاء التربية و النشأة و التكوين و ولاء الشخصية و الفكر و الكيان

المعارضة من أجل المعارضة أو من أجل كشف السوءات و إصطياد الفضائح و تسليط الضوء عليها لمجرد كسب سبق صحفي أو إعلامي هي في حقيقتها أرخص بكثير من الإلتفات إليها ناهيك عن إعتناقها و لكن المعارضة الحقيقية في التوجيه للصواب و إسداء النصح كما يترائى للناصح و كما يتناسب مع حجم متلقي النصيحة و تبقى الموضوعية و الإنصاف و قبلهما الإحترام و التقدير هي الأرض الصلبة و القاعدة الحضارية و الراقية للحوار المتمدن بين كل الأطراف سياسية كانت أو غير سياسية

لكل ما سبق أتمنى من الحكومة أن تنتبه لخطواتها القادمة فلم يعد في قوس صبر الشعب منزع و لم يفت بعد الأوان على إستدراك ما آلت إليه الأحوال المعيشية فلتعيد الحكومة حساباتها و توجه عنايتها إلى الطبقة الكادحة قبل أن تموت الآمال في حاضر أفضل لشعب يعيش غالبيته تحت خط الفقر بعدة خطوط متباعدة

الأربعاء، يناير 02، 2008

فتاة القطيف

فتاة القطيف


رغم رفضي الشديد لجريمة الإغتصاب و إعتبارها من الجرائم الوحشية إلا أني لم أستطع إخفاء شعوري الغريب بالعدالة عندما علمت أن محكمة سعودية حكمت بمعاقبة فتاة ضحية جريمة إغتصاب تماماً كما حكمت بمعاقبة المجرمين مغتصبيها و قد نالت تلك الفتاة حكماً بتسعين جلدة و عندما إعترض محاميها غلظت المحكمة العقوبة و جعلتها مائتي جلدة و السجن ستة أشهر .

و قصة هذه الجريمة بإختصار أن الفتاة ذات التسعة عشر ربيعاً زوجة لرجل سعودي و كانت على علاقة قبل زواجها بطالب ثانوي و منحته صورها كنوع من الثقة فيه و في وفاءه و إخلاصه و لكنها عندما تزوجت من رجل آخر تذكرت صورها فقامت بالإتصال بحبيبها القديم طالبة منه إسترداد صورها و تواعدا في مكان هاديء و عندما إستقلت سيارته إعترضهما رجلان و ركبا معهما و إقتاداهما إلى مكان مهجور و قام سبعة رجال بإغتصاب الفتاة و يقال أنهم أيضاً قاموا بهتك عرض الشاب حبيبها

شعوري الغريب بالعدالة جاء كشعور مركب ناتج عن عدة دوافع و أسباب أهمها هو إعتبار جرم جريمة الإغتصاب موزع على الجاني و المجني عليها على الأقل بالتساوي و على الأكثر بالقدر الأكبر على الضحية أو على بنات جنسها .. و رغم عدم رغبتي في الدخول في مهاترات و دهاليز إستقلال القضاء و تلك الشعارات البراقة اللتي ليس لها وجود في البلاد العربية إلا أن المرسوم الملكي اللذي أصدره الملك عبد الله بالعفو عن الفتاة و رفع العقوبة عنها نتيجة ضغط الدول الغربية و منظمات حقوق الإنسان اللتي هالها الحكم و إعتبرته خرقاً سافراً للأعراف و التقاليد الإنسانية حيث عوقبت الضحية و اللتي هي غير مذنبة في ضمير الغرب و لكنها ليست مذنبة فقط في ضميري بل هي آثمة و أنا هنا أخاطب المرأة بصفة عامة و ليست فتاة القطيف تحديداً ، ذلك العفو الملكي يفضح حجم الإهتراء في المنظومة الحاكمة و يشي بحجم الهوة بين أوصالها و عدم التفاهم إن لم يكن عدم الرضا بين جنبات تلك المنظومة

لم يعرف التاريخ العربي و لا حتى غير العربي ما يعرف بإغتصاب الإناث طوال قرون ضاربة بعمقها في أغوار الزمن و حتى وقت قريب لم يعرف العالم ما يسمى بإغتصاب أنثى .. و في رأيي أن جرائم الإغتصاب تزامنت بداياتها مع عصور تحرير المرأة و إطلاقها بلا قيود و لا سلطات من الرجل فهي لم تعد كائن من الدرجة الثانية بل أصبحت كائناً متميزاً له الأفضلية بحكم قواعد الذوق العام و له الأولوية بحكم قواعد الإنسانية و اللتي تغيرت قواعدها بتغير الوجدان البشري بعد إنتهاء عصور قوة السلاح و بداية عصور قوة العلم و قوة الفكر و الفلسفة و النظم السياسية و المجتمعية

أو قد تكون وجدت جرائم الإغتصاب في العصور الغابرة و لكنها في رأي المؤرخين لم تكن ذات قيمة حتى يتم تأريخها حيث لم تكن المرأة ذاتها تشكل قيمة في تلك العصور بل كانت مجرد تابع للرجل و مصدراً لمتعته فقط

الخلاصة في هذا الموضوع أن شعوري بالعدالة تكمن أسبابه في رؤيتي لما تفعله المرأة في نفسها لإرضاء الرجل و جذبه و حرصها الشديد على أن تكون محط الأنظار و هدف عيون و قلوب و عقول الرجال و هي في هذا الصدد تتطرف في أفعالها و تتناسى أنها تعيش في مجتمع عربي متعطش لإشباع غرائزه و هارب بطبيعته القبلية من ثقل المسئوليات و تبعات الزواج ناهيك عن ظروفه الإقتصادية اللتي تمنعه عن سلوك الطريق الصحيح فضلاً عن المؤثرات الخارجية و اللتي أصبحت تشعل الشهوات و تأجج الغرائز في نفوس الشباب اللذي يعاني أصلاً من الحرمان نتيجة مجتمع غارق في الغباء حتى أذنيه و مريض بالنفاق حتى النخاع

و كما شعرت بعدالة العقوبة شعرت أيضاً بالتشفي في المحاكم السعودية عندما كشفت عن سوئتها أمام العالم المتحضر و أكدت للعالم أنها تحكم بمنطق معوج مريض و متطرف يتجاهل حتى أبسط قواعد الإنسانية و رغم تضاد هذا الشعور مع شعوري بعدالة الحكم إلا أنها حقيقة ما شعرت به و لا أستطيع نفاق نفسي و إدعاء البراءة كما تفعل غالبية البشر

المرأة تحمل الكثير من الوزر في واقعة إغتصابها فهي إن لم تكن داعية له قولاً فهي تدعو بأفعالها إليه و بتساهلها و بخضوعها و بتمثيلها الغفلة و الضعف و الغباء و بمحاولاتها المستميتة في جذب الرجال و الأنظار إليها و هي محاولات ليس هدفها بالتأكيد الزواج بل هدفها هو رغبة المرأة الخالدة في أن تكون الأجمل و الأكثر جاذبية و الأكثر رقة و جمال و صاحبة الرصيد الأكبر من إعترافات المعجبين و المحبين و الوالهين و الذائبين في ثنايا أثوابها ذات الرائحة الأنثوية النفاذة الأخاذة ، و إن كان ما سبق هو طبيعة في المرأة يتعذر تغييرها كما يتعذر إيجاد زهرة بلا أوراق فيجب عليها - أي المرأة - أن تتعايش مع طبيعة الرجل أيضاً و لا تشكو منها فليس من العدالة أن يتحمل الرجل طبيعة المرأة في الوقت اللذي تتنصل فيه المرأة من تحمل طبائع الرجل الكريهة بالنسبة لها

و أعترف و لا أنكر أن شعوري بعدالة معاقبة ضحية جريمة إغتصاب قد يراه البعض مرضاً مصيبني و هي آراء أدرك تماماً تكونها في وجدان الكثيرين عني بعدما يقرأوا وجهة نظري و لكني لا أستطيع إخفاء ذلك الشعور حتى لو كان مرضاً فليكن و إن لم يكن مرضاً فليكن ما هو كائن و لكنه شعوري و منطقي و أنا أعترف به

و رغم ذلك و رغم كل ما سبق من شرح و توضيح لأسباب ذلك الشعور إلا أنني أظن أني أحد أكبر المحترمين و المتعاطفين مع المرأة و لكن عندما تكون إمرأة فقط تعرف حدود أنوثتها و لا تتعدى ما خلقت من أجله و تعرف الفرق الحقيقي و الجوهري بينها و بين الرجل و تعرف كيف تحترمه و كيف تتعامل معه و متى تكون ضعيفة معه و متى تكون قوية و تعرف بل و تدرك أنها إذا آثرت جذبه فعليها تحمل عيوبه كما ستستمتع بمميزاته

و رغم عدم تقبلي لشعارات المتشدقين برفض التقليد الأعمى للغرب في هذا الصدد لأني أظن أنه ليس مجرد تقليد بمعناه الحرفي كمحاكاة لتوجهات الغربيين بل هو إتجاه نفسي داخلي إستطاع الخروج إلى الوجود بذريعة التقليد لأن المرأة هي المرأة سواء كانت غربية أو شرقية فلا فرق بين كوندوليزا رايس كإمرأة و بين بي نظير بوتو رحمة الله عليها فكلهن نساء .. رغم رفضي لتلك الشعارات الهلامية من قبل رجال أكثر هلامية إلا أني في إطار البراجماتية اللتي أصبحت مجبراً عليها في ظل الإحتكاك الإجباري بتيارات فكرية مصابة بأمراض العالم كله .. في هذا الإطار أنصح من تقلدن الغرب أن تقلدنه بضمير أو لا تقلدنه نهائياً فإما الكل و إلا فلا فكما لا تتجزأ المباديء و لا يمكن تأويل القيم كذلك لا تتجزأ الرذائل و لا يمكن تأويل الفجور و كما قال مصطفى صادق الرافعي رحمة الله عليه الرذيلة الصريحة رذيلة واحدة و الفضيلة الكاذبة رذيلتان

الأحد، ديسمبر 09، 2007

إلغاء الدعم

إلغاء الدعم
كنت أؤثر دائماً البعد عن التعليق على حكومة الدكتور أحمد نظيف أو الصراعات السياسية الداخلية في مصر لأني أعتبرها صراعات طفولة سياسية تفتقر كثيراً إلى النضج و تتنافى دائماً مع المنطق و إجمالاً هي في الأغلب مجرد تصفية حسابات شخصية أو مجرد فهم خاطيء دائم و راسخ لا يتغير أبداً و يحاسب على النوايا قبل أن يبحث عن الوقائع ليحللها ، فمن ينظر إلى الصراعات السياسية الداخلية و يقارنها فقط بالمنطق السليم سيصل إلى نتيجة واحدة حتمية و هي نفض يديه و عقله و فكره من التأمل فيها فهي مضيعة للوقت لا أكثر و لا أقل
و لا يعني إهتمامي بالتعديلات الدستورية أنني تراجعت عن وجهة نظري في الإعراض عن متابعة و تحليل الأحداث الداخلية المصرية بقدر ما يعني أن هناك أحداث لها معنى و لها أيضاً حجم يجبرني على الإهتمام بها و متابعتها حثيثاً
و منذ تلك التعديلات و قد إستقرأت فيها توجهين إثنين أولهما القضاء على الإخوان المسلمين تحديداً و ليس أي تيار سياسي آخر و رغم كارثية هذا التوجه لكون تعديلاً في دستور بلد في حجم مصر يأتي لمجرد إبداء رد فعل سياسي بلا أي أثر يصب في صالح الشعب المصري إلا أن التوجه في حد ذاته حاز التأييد من الكثيرين و أنا منهم رغم تحفظي على كون وسيلة القضاء على تيار سياسي كانت تعديلاً في الدستور و هو ما يعكس حجم القلق اللذي تسببه جماعة الإخوان للنظام الحاكم كونه يعدل دستور الدولة من أجل القضاء عليهم ، لكنني أؤيد القضاء على جماعة الإخوان سياسياً فهم يثبتون كل يوم جهلهم المدقع بدهاليز السياسة و يثبتون أيضاً أن خلطهم الدين بالسياسة أضفى على جماعتهم تشوهاً كبيراً فلا هم تمكنوا من المضي كتيار ديني كونهم أعلنوا الكثير من التنازلات و اللتي قضت على شكل الجماعة الديني و لا هم إستطاعوا الدخول لدروب السياسة بإحتراف كونهم خلطوا السياسة بالدين و هما نقيضان لا يمكن خلطهما تماماً كازيت و الماء
و التوجه الثاني في تلك التعديلات الدستورية كان توجهاً يهدف إلى تحويل مصر من الإشتراكية إلى الرأس مالية ، و بغض النظر مؤقتاً عن الدافع وراء هذا التوجه و برؤية المحلل نجد أنه توجهاً محموداً أيضاً و هو أمر يتناسب مع الوسيلة اللتي خرج بها إلى النور و هي التعديلات الدستورية فمن الطبيعي أن أقوم بتعديل دستوري لتغيير شامل في النظام الإقتصادي للدولة
و كانت بداية هذا التوجه قبل التعديلات الدستورية متزامنة مع تعيين حكومة الدكتور أحمد نظيف و إنتقاء رجال أعمال لتولي مقاعد الوزارات ، و أنا أيضاً أؤيد ذلك التوجه من أجل صالح البلد رغم أن ثمار هذا التوجه قد لا يجنيها الجيل الحالي و ربما لن يجنيها أيضاً الجيل القادم و لكنها - إذا دامت - ستثمر ثماراً جيدة جداً مستقبلاً و تبقى إفرازات المرحلة الإنتقالية بين الإشتراكية و الرأسمالية مؤرقاً للحكومة و للمواطن على حدٍ سواء فليس من اليسير تغيير عقليات ولدت و نمت و عاشت في كنف الدولة الأم و الأب و الطبيب و المدرس و رئيس العمل إلى عقليات تقتصر عواطفها على خصوصياتها الشخصية و تنسى دور الدولة كأم و أب و راعي صالح يطيب الخواطر و يربت الأكتاف
الدولة ليست ملزمة بما يلزمها به الشعب من دعم للمأكل و المشرب و العلاج و التعليم و الوقود و غيرها فالأمر هنا - في ظلال الرأسمالية - يختلف تماماً لأن الرأسمالية تعني حساب المكسب و الخسارة و تعني أن يتقاضى العامل أجراً مساوياً لجهده و عمله لا أن يعمل الموظف 17 دقيقة في اليوم و ينتظر في نهاية الشهر أجره كاملاً .. هذا ما أعنيه بسياسة الدولة الأم و اللتي يعتبر شعبها أن عطائها دائم و مستمر دون مقابل
قد يقول قائل أن سياسة دعم غير القادرين هي سياسة عالمية و ليست حكراً على مصر فقط و أقول نعم هي بالفعل سياسة عالمية و لكنها أولاً تدعم غير القادرين فعلياً و بما يتلائم مع ظروفهم و إمكاناتهم و بما يتلائم مع إمكانيات الدولة و قوة إقتصادها كما أن الدعم في هذه الحالة يصل إلى مستحقيه الفعليين و ليس إلى الناس كافة
و ثانياً الدعم في الدول المتقدمة دعماً متقدماً بدوره و ليس كما نراه في مصر دعم شامل يستفيد منه أغلبية ليست في حاجة إليه كدعم البنزين مثلاً و اللذي يذهب غالبه إلى أصحاب الملايين من مالكي السيارات الفارهة و الدول المتقدمة لا تدعم السلع - دعم عيني - و إنما تدعم الفقراء بمعونات و كوبونات - دعم نقدي - ليستطيعوا مواجهة متطلبات حياتهم
و ثالثاً لا توجد دولة في العالم تدعم كل شيء مثل مصر فالشعب المصري إعتاد على أسلوب الرضاعة من الحكومة فهي تدعمه منذ الولادة في حليب الأطفال و ما شابه و تدعمه في مراحل التعليم المختلفة و تدعمه في العلاج و تدعمه في الزواج بإيجاد مساكن تتناسب مع ظروفه و تدعمه بعد الزواج ببطاقات تموينية و تدعمه بعد الإنجاب لتعاد الحلقة السالفة الذكر من جديد و لا توجد دولة في العالم مهما بلغ ثرائها و قوة إقتصادها بهذه القدرة على الإستمرار في رضاعة شعبها طوال حياته و إنما يقتصر الدعم على النقدي منه و على الفقراء فعلياً من شعبها
و تظل مشكلات المرحلة الإنتقالية كثيرة و لكن المشكلة الحقيقية في تغيير مفاهيم الناس من الإعتماد الكلي و الدائم على الحكومة إلى الإعتماد على النفس و على الكد و الجهد و العرق و المهارات الخاصة و العلم التحصيلي و البحث العلمي
هناك أيضاً الصائدون في الماء العكر و طبالي الزفة أصحاب الأقلام اللتي تبحث عن أي شيء لتهييج الرأي العام على الحكومة و أتعجب بشدة من المعارضة الغير موضوعية بالمرة في معارضتها و اللتي تتخذ من مسماها المعارضة معارضة لكل شيء و أي شيء فكل قرارات و أفعال الحكومة خطأ و كل توجهاتها غير صحيحة في نظر الإخوة المعارضين و لا أدري ألا يروا نقطة بيضاء واحدة في كل هذا السواد اللذي يغلف أبصارهم ؟
هذا لا يعني موضوعية مؤيدي النظام فالكل يستغل منبره للجعجعة و الصيد في الماء العكر و قد تكون لاموضوعية المؤيدين هي ما خلق لا موضوعية المعارضين و ربما العكس فلا طائل من البحث عن الباديء باللاموضوعية و إنما المهم هو أنها قائمة بالفعل لاموضوعية عجيبة في الرأيين المتضادين
لا يمكن إنكار المساحة الكبيرة من حرية التعبير اللتي أصبحنا ننعم بها ففي العصور الغابرة كانت حرية التعبير حلماً بعيد المنال أما اليوم تطول الإنتقادات كل الشخصيات بداية من رئيس الوزراء إلى رئيس الجمهورية و لا فرق بين منصب كبير كان أم صغير أمام الإنتقاد و ليت النقاد بنوا شيئاً بنقدهم بل ما أراه أن النقد هدام لدرجة مخيفة تضطر الحكومة أمامها إلى إتخاذ إجراءات تحسب عليها و تسقط رغماً عنها سقطات فاضحة أمام الرأي العام
الأعجب هو القضايا الساخنة اللتي تركز عليها الصحف سواء المعارضة منها أو الحكومية فهي قضاياً أقل ما توصف به هي التفاهة الشديدة و الفراغ الفكري بل قل الإفلاس الفكري و ربما الثقافي أيضاً
على سبيل المثال تهالك التحقيقات الصحفية و التحليلات العميقة لمسئلة زواج السيد أحمد عز و تندهش من طول مدة إهتمام الصحف بهذه المسئلة و تصاب بالذهول عندما تصل الأمور إلى إتهام الحزب الوطني و البرلمان معاً بتقويض دور المرأة في الحياة السياسية لأنهما سمحا للسيدة شاهيناز النجار بالإستقالة من البرلمان لكونها ستتزوج أو تزوجت بالفعل من السيد أحمد عز
ما هذه السماجة و التطفل على حياة الناس ؟ و لماذا كل هذا التهويل و النقد و التقريع لرجل سيتزوج ؟ ماذا لو كان هذا الرجل قد زنا مثلاً فإذا كانت كل هذه المقالات كتبت لأنه تزوج فماذا كان سيكتب إذا زنا ؟
ثم ما هو الرابط بين إستقالة نائبة في البرلمان و دور المرأة في الحياة السياسية ؟ إن إستقالتها تندرج تحت الحرية الشخصية و خصوصيات الحياة و كذلك زواجها فلماذا هذا التطفل السمج و التدخل المتسلق في حياة الناس ؟
مثال آخر فجره مسلسل تليفزيوني و هو مسلسل الملك فاروق فقد طفق الجميع يتحدث بحماسة متوارياً خلف فكرة مريضة أسست على نظرية المؤامرة الفريدة عن عودة الملكية إلى مصر و آخرون يتحدثون عن الدعم السعودي للمسلسل لتكريس حب الملكية في الوجدان و غيرها من البلاهات المنغولية و اللتي تدل على أن الشعب اللذي يصرخ في مظاهرات و إعتصامات و معارضات و إعتراض على السياسات هو في حقيقته شعب يسلم عقله للمسلسلات التليفزيونية و أحاديث النميمة عن زواج هذا و طلاق هذا ناهيك عن ملايين الجنيهات اللتي ينفقها الشعب على رسائل الموبايل و الموبايل نفسه و غيرها من وسائل المراهقين في التعبير عن أنفسهم
أشعر حقاً بتعاطف شديد مع النظام الحاكم و بالتحديد مع السيد الرئيس حسني مبارك على ما يعانيه من مواجهة شعبنا الفاضل للتطوير و التحديث و التغيير الفكري ، و تعاطفي هذا لا يعني تأييدي المطلق لكل القرارات و السياسات الرئاسية فهناك أخطاء و لا شك و لكن الحقيقة أنها لا تذكر أمام المعاناة اللتي يلاقيها أي حاكم يرأس الشعب المصري
نهاية فأنا أؤيد إلغاء الدعم العيني بالكلية - و هو ما سيحدث - و تحويله إلى دعم نقدي رغم أنني سأعاني كما سيعاني الشعب كله من جشع التجار و أطماعهم اللتي لا تنتهي و لكن المنطق يجبرنا على القبول و الموافقة فنصف ميزانية الدولة يذهب إلى الدعم أي أنه يذهب أدراج الرياح فلا يستثمر و لا يكون له أي عائد لأنه يتماثل مع شراء هدية و إهدائها لشخص ميت فلا الشخص يعود إلى الحياة و لا الهدية يمكن إستردادها

الأحد، نوفمبر 25، 2007

أنابوليس ... العشق و الهوى

أنابوليس ... العشق و الهوى
تقع مدينة أنابوليس عاصمة ولاية ماريلاند على بعد 80 ميلاً من العاصمة واشنطن و هي مدينة تحمل أهمية تاريخية حيث عقدت فيها مؤتمرات ما بعد إستقلال أمريكا للتنسيق بين الولايات في شئون التجارة و العمل و غيرها و ستستضيف أنابوليس في يوم الثلاثاء السابع و العشرين من نوفمبر الجاري مؤتمر أو إجتماع أو " قعدة " السلام و اللتي وافق حكام ستة عشر دولة عربية على الذهاب إليها مع وزراء خارجيتهم و إحتمال كمان مع أبناء جيرانهم !لست أبداً ضد السلام و عودة الحقوق لأصحابها لا سيما الشعب الفلسطيني رغم يأسي من تحقق تلك العودة و لكن .. لقد كانت نتيجة فشل مؤتمر كامب ديفيد للسلام اللذي دعا إليه الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون هي قيام إنتفاضة عام 2000 ... فماذا يا ترى ستكون نتائج فشل " قعدة " أنابوليس ؟
و هي " قعدة " بالفعل أو لنقل زيارة ترفيهية أو سياحية للزعماء العرب لعدة أسباب .. منها أن الدعوة الأمريكية لحضور هذه القعدة لم تحمل لا جدول أعمال و لا أجندة مؤتمر و لا بيان ختامي و لا حتى عبارة " لا عزاء للسيدات " أو " العاقبة عندكم في المسرات " !و إنما حملت الدعوة كلمة براقة رنانة تسيل اللعاب و هي كلمة " السلام " .. إزاي ؟ و فين ؟ و إمتى ؟ ما حدش عارف !و منها أن الوضع السياسي للولايات المتحدة غير مستقر داخلياً و خارجياً مما يعني فقدها الجزئي للقوة القادرة على دفع أو مراقبة خطوات للحل النهائي و منها إقتراب خروج رئيسها من الحكم مما يعني تغيير جديد في سياستها و إحتمال جب كل ما سبق إتخاذه من قرارات و مبادرات
لقد حار الزعماء العرب مثل حيرتي الآن في رفض أو قبول حضور تلك القعدة و أقاموا القمم و القيعان و إختلفوا فقررت السعودية رفض الدعوة ثم إتفقوا فعادت السعودية لتعلن أنها لن تخرج على الإجماع العربي .. ثم جاءت سوريا مكفهرة الوجه عبوسة لتعلن أنها لن تذهب إلا إذا أدرجت مشكلة مرتفعات الجولان على أجندة المؤتمر ( هي فين الأجندة دي ؟ ) و إستجابت الإدارة الأمريكية لمطالب سوريا ببعض التصريحات ( أي دون رد رسمي ) و لكن سوريا تصر على رد رسمي أما إسرائيل فكعادتها الدائمة تهلل وجهها عندما علمت أن العرب أجمعوا على الذهاب و وصفت ذلك الإجماع بأنه أمر هام يمكن أن يكون ضمانة لنجاح هذه المبادرة ( يعني حاجة كويسة ) و هي جملة مغرقة في الديبلوماسية ككل الأقوال الديبلوماسية و اللتي عندما نسمعها نشعر بالسعادة رغم كوننا لم نفهم أي شيء و لم نحصل على أي نتيجة !
العشق
تعشق الولايات المتحدة ذلك الدور اللذي منحتها الظروف منحة القيام به و هو دور شرطي العالم و الأخ الأكبر ( غير الشقيق ) للمستضعفين و المظلومين و الأرامل و الأيتام و الرضع .. و تعشق إسرائيل أن تكون طرفاً دائماً في المشكلات التاريخية و يا حبذا لو كانت الطرف الأقوى صاحب الإملاءات و الشروط و صاحب الممتلكات - غير الشرعية - اللتي ما إن يلوح بها ( كوقف الإستيطان أو أن القدس عربية ) حتى يهرول الجميع للموافقة على تطبيع العلاقات معها ، و التطبيع العربي مع إسرائيل أو بالأحرى رهن التطبيع العربي مع إسرائيل هو السلاح الوحيد الفعال في يد العرب ضد إسرائيل و هو الأمنية الغالية للدولة اليهودية و اللتي تفتقد الأمان في وجودها بين دائرة من الأعداء منذ قيامها ، بيد أن هذا العشق الأمريكي الإسرائيلي لا يخلو من المراوغة و اللعب بكل الخيوط فعشق الولايات المتحدة لدورها التاريخي في فرد المساحات الزمنية الشاسعة للحل ( اللا ) نهائي لا يضاهيه عشقاً ففكرة شرطي العالم و فتوة الناس الغلابة لا تقوم على القواعد الأخلاقية المتعارف عليها و إنما تقوم - ككل السياسات - على قواعد النفعية و المصلحة الخاصة و هي بتطويل و مط الحلول تمنح نفسها فرصاً جديدة للعب نفس الدور عندما يفشل حل من الحلول - الغير قابلة للنجاح - اللتي تطرحها كل سبعة أو ثمانية أعوام و تسير إسرائيل صاحبة المصلحة الأصيلة في تعقيد القضية لا حلها على نفس النهج فالحل يعني خسائر بالجملة لإسرائيل - و لبعض المستفيدين العرب - لأنها ستعيد أراضي إحتلتها و تفقد ورقة مهمة في لعبتها مع العرب كما ستفقد مساحة كان يمكنها توطين مواطنيها فيها و بالتالي فرض أمر واقع على إصحاب الأرض الأصليين كما أنها ستخسر أمنها إذا قبلت بإعادة اللاجئين الفلسطينيين و ستفقد حلمها بأن تكون القدس عاصمة إسرائيل .. و في النهاية - و هو الأمر المحتوم - ستفقد وجودها في الشرق الأوسط و حيازتها لأرض الميعاد
الهوى
تعرف الماسوشية بأنها متعة تعذيب النفس فبعض الأشخاص يجدون في ضربهم و إيلامهم و ربما تعذيبهم متعة لذلك يبحثون عن عذابهم بحث العاشق عن معشوقه و في رأيي أن العرب باتوا ماسوشيين فيما يتعلق بقضية فلسطين فهم يعلمون علم اليقين أن قعدة أنابوليس لا طائل منها سوى أنها خطوة جديدة نحو التطبيع و ربما خطوات نحو ضرب إيران و لكنها بعيدة كل البعد عن هدفها المعلن " السلام " و بعيدة عن هدفها الموحى به و هو إقامة دولة فلسطينية كما أنهم يدركون الحيل الأمريكية و الإسرائيلية في مد و مط و تطويل الحلول لتصبح في النهاية حلول نظرية فقط .. و رغم كل هذا فهم يهوون الذهاب إلى مؤتمرات السلام و يستعذبون الحلول الأمريكية بعيدة المنال و المسافة و الغريب أنهم يصدقونها و يؤيدونها و يتخذونها نهجاً فعلياً فما زال حتى الآن بعض الموهومين يتشدقون بخارطة الطريق و كأنها واقع رغم أنها فقدت مصداقيتها بعد أن تجاوزت الخطوات الزمنية المحددة لها و لم يتحقق شيء على أرض الواقع إنه الهوى العربي في السير وراء السراب على أمل ألا يكون سراباً و لكنه أبداً لا يكون إلا سراباً رغم كل ما سبق من " رغي " إلا أني أدعو الله ألا تصدق ظنوني و أن تنبثق من قعدة أنابوليس أي نتائج إيجابية لعل جورج بوش اليوم يكون قد تعقل و أدرك أنه على شفا الخروج من البيت الأبيض فيلتمس حسن الخاتمة بدلاً عن سوء المنقلب

الأحد، سبتمبر 16، 2007

عالم حركات

عالم حركات


إذا نظرنا إلى العالم بشيء من الروية و التؤدة سنجد أن التشابه المنطقي يغلف الكون في كل شيء حتى في تصرفات الإنسان فهيئة مثل هيئة
الأمم المتحدة تلهث وراء الإعانة الأمريكية الضخمة لتمويل نشاطاتها مما جعل الهيئة تقف أمام رغبات و نزوات الولايات المتحدة عاجزة عن إتخاذ أي قرار فتحولت تلك الهيئة الموقرة إلى هيئة قلل متحدة أعضائها من أكياس الجوافة الناضجة إلى حد التعفن

و بالمثل في كل قلة من أعضاء الهيئة الميمونة تستأثر النخبة الحاكمة بكل خيرات و موارد الدولة لتعطي و تمنح مما يحول أجزاء تلك الدولة إلى إمعات لا حول لها و لا قوة أمام سلطة ذوي السلطة و هم إن أرادوا حولوها إلى سَلـَطـَة

مصر اللتي في خاطري .. مصر المحروسة .. مصر بشمسها الذهب .. مصر تحولت بقدرة قادر إلى بلد حركات بشهادة أعين الواقع و الأحداث فها هي حركة كفاية و حركات ( 000 ) من أجل التغيير و بين القوسين ضع ما تشاء من مسميات و حركة الإخوان و حركة كذا و حركة كذا ثم أتحفتنا قريحة الشعب الأبي بحركة " نعم " تلك الحركة الوليدة اللتي نشأت و ترعرعت لتأييد تولي جمال مبارك الحكم و إنشق الأفق عن حقيقة وجود حركات كثيرة مماثلة و قائد حركة نعم هو ممدوح زخاري جرجس .. و لا أدري عنه أكثر مما هو مكتوب

ثم حركة " أحرار " و هي الحركة الوطنية لمكافحة التطرف بقيادة الطبيب عادل سيد و اللذي أعلن أن عدد أفرادها تجاوز أربعين ألفاً فقد ولدت تلك الحركة عام 2006 و لكنها عملت سراً بناءاً على نصائح الأمن و هي حركة - حسب كلام قائدها - منشقة عن حركة الإخوان المسلمين و غالبية أعضائها من طلبة الجامعات و أكبر عضو فيها لا يزيد عمره عن ثلاثين عاماً

إننا نحيا بعالم الحركات و لا شك فالسيد بوش أكل عقول الأمريكان برعب الإسلاموفوبيا ليغزو أفغانستان و العراق ( حركة )

ثم نووي إيران لعزلها عن العالم و من يدري لعله يغزوها أيضاً ( حركة )

ثم تمخض عقل السيد بوش و إدارته فأنجب عجباً فقال أن إيران تقوم بتسليح تنظيم القاعدة .. إنه كمن يخبرنا أن الماء يزيد النار إشتعالاً !

هي أيضاً حركة و لكنها شديدة الإنكشاف و البلاهة أيضاً فكيف يقوم الشيعة بمساعدة أعدى أعدائهم ؟

ثم يأتي السيد بوش ليدعم حكومة السنيورة آملاً في القضاء على حزب الله بعد أن فشل دعمه لتنظيم فتح الإسلام ( حركتين )

و يحث العالم على مقاطعة حكومة حماس الشرعية و المنتخبة لأنها حكومة إرهابيين ( حركة )

و يترك السيد بوش السعودية بكل ما تحمله من تعصب و تطرف كي تبقى السعودية مستقرة أمنياً و بالتبعية يبقى أهم و أكبر مصدر للنفط آمناً ( حركة )

إسرائيل ( صانعة الحركات المحترفة ) تقوم بطلعة إستطلاعية على الأراضي السورية و كأنها العزبة بتاعة المرحوم اللي ورثتها إسرائيل و لديها كامل السيادة عليها و لكن لسوء حظها قامت الدفاعات السورية اليقظة بالتعامل مع الطائرات المقاتلة مما إضطرها لإلقاء حمولتها الزائدة من خزانات الوقود الإضافية و لسوء حظها مرة أخرى هبطت بعض تلك الخزانات على الأراضي التركية علماً بأن تركيا الحليف الرئيسي لإسرائيل في المنطقة و قامت الدنيا في تركيا و طلبت توضيحات من إسرائيل و وصفت الحدث بغير المقبول

و رغم ذلك فستنتهي الأمور إلى لا شيء لأنها ستنتهي بحركة جديدة من إسرائيل لتسكين الزوبعة

حتى على مستوى الأفراد و الشركات و العمل و الشارع و البيت تصبح الحركات الملاذ الوحيد للعيش بهدوء و سلام فمن منكم أيها القراء الكرام لا يصنع يومياً حركة أو حركتين و ربما أكثر ليتجنب مشكلة في العمل أو في الطريق العام أو يسكت زوجته عن مسائلته أو تدفع زوجها لقبول ما رفضه سلفاً

الأربعاء، يوليو 11، 2007

أمريكا ونهاية اللعبة العراقية

أمريكا ونهاية اللعبة العراقية
باتت السيطرة على العراق ضرباً من المستحيل بعد أن تجاوزت المقاومة الإسلامية بنوعيها الشيعي و السني كل الحدود و أصبحت المعركة متعددة الأطراف و الأهداف و اتجه بعضها إلى شكل الثأر في حين الشكل الطبيعي للمقاومة و هو التحرير أصبح مشوه و غير واضح بعد ظهور أذناب القاعدة و تفاقم المعارك بينها و بين جيش المهدي و بينها و بين جماعات المقاومة السنية و بين جماعات المقاومة السنية و جيش المهدي و بين كل الأطراف السالفة الذكر و قوات التحالف ناهيك عن الأكراد و أهدافهم في تكوين دولة كردية على حدود تركيا و رفض تركيا القاطع لهذا الحلم الكردي مع إحتمال تدخل الجيش التركي في شمال العراق و ما يترتب على هذا التدخل من آثار على العراق و على العلاقات بين تركيا و أمريكا
إنه مزيج من المعارك و الأهداف جعل من العراق ساحة للفوضى و مجال خصب لنمو الإرهاب و تربيته
و ضاع الهدف الأمريكي الظاهر و الخفي من غزو العراق فلا العراق تحولت إلى نموذج ديموقراطي عربي يحتذى و لا هنأت أمريكا بالغوص في نفط العراق الوفير بل الأدهى و الأكثر مرارة أن أمريكا دفعت فاتورة باهظة لتمويل غزو العراق فضلاً عن الكراهية العربية و الإسلامية اللتي تفاقمت تجاه بلاد العم سام لكونها تدعم إسرائيل بمناسبة و بدون مناسبة ضد فلسطين من جهة و لكونها غزت العراق و حولتها إلى فوضى عارمة من جهة أخرى
و لكن واقع الحال يجبرنا على البحث - و لو النظري - عن حلول لمأساة العراق ففي النهاية يجب أن يستقر هذا البلد و يأمن ليس فقط من أجل أبناءه و لكن من أجل منطقة الشرق الأوسط بأسرها و من أجل العالم الإسلامي اللذي تحول بفعل غزو العراق إلى سيرك قومي يعاني الأمرين من كل جهة
لقد أثر غزو العراق و من قبلها أفغانستان على العالم ككل و تحول علماء المسلمين إلى قادة عسكريين يصدرون فتاواهم ليأتمر بها أتباعهم فإما الحرب و المقاومة و إما الإرهاب و الخسة و القتل في جنح الليل و الغدر بأرواح الآمنين و إما الصمت الكسير الذليل
في النهاية يجب علينا التسليم بالأمر الواقع و هو وجود قوات التحالف على أرض العراق و يجب عليهم التسليم بأمرين و هما فشل الحملة العسكرية على أفغانستان و على العراق بالإضافة إلى الفشل الأكبر في السيطرة على البلدين فحتى أمل إعادتهما كما كانا قبل الغزو بات من المستحيل
و الحلول اللتي تخص العراق تكمن في خطوة أولى و هامة و هي إسقاط حكومة المالكي و هو كفعل سيكون أول إصلاح لخطأ فادح إرتكبته أمريكا و لكن أظنها غير عامدة ، ففكرة تسليم السلطة للشيعة على وجه التحديد لم تكن أبداً لتراود صقور البيت الأبيض لكون إيران هي العدو الأول لأمريكا و تسليم السلطة للشيعة في العراق يعني تسليم العراق لإيران و لكن ما أظنه أن تسليم السلطة كان لمن تعاون مع أمريكا في الإستيلاء على تلك السلطة و هو ما أراه منطقياً فالشيعة هم أكثر طوائف الشعب العراقي كراهية لصدام حسين و أكثر من تضرر من الحكم الشمولي لحزب البعث و بالتالي فهم أول من ساعد بلا تردد في إسقاط النظام البعثي أي أنهم هم من إستقبلوا المحرر الأمريكي بالورود و أكاليل الغار و بالتالي فهم أكثر ولاءاً من غيرهم للمحرر الغربي و لهم الحق في الحصول على السلطة في العراق طالما كان ولائهم لأمريكا و لكن الحقيقة اللتي لم يرها القادة الأمريكان هي أن العرب ليسوا هم من يتطلع لبناء دولة مدنية حديثة على أسس علمانية و ليسوا من يترك أو يتسامح في الإضطهاد و التنكيل البعثي قبل الغزو و لابد من رد الصاع صاعين قبل إستقرار البلد فالثأر أجدى لديهم من مستقبل أولادهم
أهم ما يخصنا في هذا الخضم هو الحل لمشكلة العراق ، و هو كما ذكرنا إسقاط حكومة المالكي و العمل على وضع دستور أكثر إعتدالاً للبلاد و تحويل العراق إلى دولة علمانية ثم تشكيل حكومة إنتقالية يوافق عليها الشعب العراقي بكل طوائفه بغض النظر عن شكلها الطائفي فلا بأس أن تكون كلها من الشيعة أو من السنة أو خليط منهما معاً فالهدف لن يكون بالضرورة الحصول على السلطة بل سيكون الهدف إيجاد مستقبل لهذا البلد العليل ، يجب أيضاً وضع جدول زمني واضح للإنسحاب الأمريكي من العراق و يمكن إحلال جيش إسلامي خلفاً له و يمكن التغاضي عن هذا و للشعب العراقي الحق الكامل في الإختيار
و لكن قبل كل هذا لابد من تصفية تنظيم القاعدة عن بكرة أبيه و بذل كل نفيس و غال في هذا السبيل و إلا فإن أي جهد يبذل للبناء و التنوير محكوم عليه بالفشل فتنظيم القاعدة لم يعد مجرد جماعة متشددة فحسب بل أصبح فكر أيديولوجي جاذب للكثيرين تحت وطأة الفقر و الجهل و التخلف اللذين يحلقون في سماء العالم العربي دون أمل قريب في زوالهم
تنظيم القاعدة يجد اليوم متعاطفين و مؤيدين في مشارق الأرض و مغاربها حتى و لو لم يتحقق بينه و بينهم أي إتصال ففكره بات الملاذ الأكبر لهؤلاء اللذين طحنتهم الحاجة و العوز و هم يرون أنفسم ذاتياً كأفضل من خطا على الأرض بقدمه في حين يرون الغرب الكافر في رأيهم و هو يرفل في النعم و الملذات و الشهوات و هم محرومون و تأتي غزوات الغرب العسكرية و الفكرية كقشة تقصم ظهورهم و تدفعهم نحو المواجهة و في غياب العقل و التحضر و الفكر المستنير و في غياب العلم و الأفق الواسع تصبح المواجهة حتماً مسلحة فالقتل و التدمير حل وحيد و قريب و واجب ديني و فرض إلهي كما يراه هؤلاء
إن القضاء على القاعدة سيعيد للعالم الأمان المفقود و قد يحول العرب إلى النظر إلى مستقبلهم و بناء حضاراتهم قبل أن ينفد مخزون النفط و ينفد معه صبر العالم المتحضر على وجود تلك المخلوقات المسماة عرباً

السبت، مايو 05، 2007

عندما يجف نبع الحياء

عندما يجف نبع الحياء


ضرب الرئيس الأمريكي جورج بوش أروع الأمثلة في البجاحة و الوقاحة و ما زال يواصل مسلسل عدم الحياء بفظاظة غير مسبوقة فقد استخدم حقه في النقض لتشريعات مجلس النواب للمرة الثانية منذ بدء فترة ولايته ليرفض تشريع الكونجرس بربط تمويل الحرب على العراق بإنسحاب القوات الأمريكية المقاتلة من هناك ، و شتان بين إستخدامه الأول لحقه الدستوري في النقض و إستخدامه الثاني فالأول كان لرفض تشريع بإباحة أبحاث خلايا المنشأ البشرية فيما يعد فعلاً أخلاقياً بينما الثاني كان لرفض قانون ربط تمويل الحرب على العراق بإنسحاب الجنود الأمريكيين منها
يرى الرئيس بوش أن تصاعد المقاومة العراقية لا يفله إلا القوة ثم الإفراط في القوة و هو إتجاهه الفكري اللذي به غزا أفغانستان و فشل في القضاء على تنظيم القاعدة و به غزا العراق و فشل في تحويله إلى دولة ديموقراطية
و يتواصل مسلسل البجاحة البوشية عندما ينتقد الرئيس بوش زيارة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب ( الكونجرس )
لدمشق و محادثاتها مع المسئولين السوريين على إعتبار أن هذه الزيارة تمثل تقويض لسياسات إدارته الهادفة إلى عزل سوريا دولياً رغم تنامي دورها في لبنان و تأثيرها القوي و الغير مباشر على الداخل الإسرائيلي
ثم يواصل السيد بوش هوايته في البجاحة بالمطالبة اللتي أصبحت مملة لإيران بالكف عن تخصيب اليورانيوم حتى لا تتحول إلى دولة تمتلك أسلحة دمار شامل في تحدٍ واضح للعملاق الإسرائيلي اللذي انفرد بالشرق الأوسط فارضاً أسلحته النووية على الجميع و ضارباً بالشرعية الدولية عُرض الحائط
و لكن يبدو أن الإدارة الأمريكية تفتقر إلى الحياء فقد إجتمعت وزيرة خارجيتها في شرم الشيخ بوزير الخارجية السوري وليد المعلم و أجرت معه مباحثات واصفة إياها بالعملية ، و يبدو أنها تناست إنتقاداتها لبيلوسي عندما زارت دمشق ، و في نفس المؤتمر و على مائدة غداء إجتمعت رايس مع نظيرها الإيراني منو شهر متكي و جرى اللقاء بينهما بشكل مقتضب كما أشار وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط و في نهاية المؤتمر غادر متكي حفل عشاء كان يجلس فيه بمواجهة رايس و قد غادره محتجاً على رداء رايس الغير محتشم ( رداء عازفة الكمان الروسية ) و انهالت الإنتقادات الأمريكية على رأس متكي
يبدو أن الإدارة الأمريكية على إستعداد للتضحية بكل شيء حتى أمن إسرائيل في سبيل أمن العراق و حقن دماء الجيش
الأمريكي فيه و هو الأمر اللذي يدركه محمود أحمدي نجاد و يلعب بمهارة على أوتاره مع الإدارة الأمريكية ... لقد إجتمعت الإدارة الأمريكية مع أعدى أعدائها ( سوريا و إيران ) في تنازل واضح عن الغرور و الصلف الأمريكي المعهود للوصول إلى هدف بات مستحيلاً و هو تأمين العراق و بالتالي إخراج جورج بوش من حالة الإحراج الحاد و المزمن اللتي وصل لها في الداخل بتدني شعبيته و مهاجمة رجاله القدامي لإدارته و لنائبه ديك تشيني مالك هاليبرتون المستفيد الأعظم من بترول العراق
ناهيك عن الهزيمة المنكرة لحزبه الجمهوري أمام الحزب الديموقراطي في الإنتخابات التشريعية الأخيرة
كما يبدو أن عدوى إنعدام الحياء قد إنتقلت لتوأم الأمريكي الغير شرعي ( بريطانيا ) لتجتمع وزيرة الخارجية البريطانية مارجريت بيكيت مع منو شهر متكي مع التصريح عقب اللقاء بأنه توجد إمكانية لاستفادة البلدين من علاقة بناءة بدرجة أكبر و لا أشك لحظة أن درس البحارة البريطانيين قد أصاب هدفه و أدرك توني بلير الحجم الحقيقي لإيران و أدرك أيضاً أن إستمرار السير في ظل الولايات المتحدة سيعرضه حتماً لعثرات أكبر من توقعاته
نجحت إيران بقيادة الرئيس الفذ محمود أحمدي نجاد في تغيير الكثير من قواعد اللعبة فالولايات المتحدة و بريطانيا تتراجعان عن مواقفهما المعادية لها و السعودية تبلور دورها عربياً و تتدخل بكل قوة في صراعات المنطقة لمحاولة حلها فتجتمع حماس و فتح هناك ثم تفاوض حزب الله و فؤاد السنيورة ثم وفدي السودان و تشاد .. و تلعب السعودية أدواراً أكبر منها كدولة لأخذ مقعدها في مواجهة إيران الشيعية و اللتي تمثل الخطر الأكبر على الوهابية السعودية
و لكن ملك الأردن كان أكثر وضوحاً من السعودية عندما صرح لإسرائيل بأن عدوهما واحد في إشارة لحزب الله اللبناني و المدعوم إيرانياً و سورياً و بالتالي فقد نجحت السياسة الأمريكية في تأليب العرب على بعضهم البعض ثم فشلت في هزيمة دولة واحدة سياسياً ( إيران ) رغم حشد الدول العربية و الغير عربية
فمن الأجدر بالإحترام و من صاحب نبع الحياء الحقيقي جورج بوش أم محمود أحمدي نجاد ؟